ارتدادات عكسية: كيف نقرأ رسائل بن لادن فى ظل التطورات الراهنة فى قطاع غزة؟

إعداد: جميلة حسين محمد

“العدل أقوى جيش والأمن أهنأ عيش أضعتموه بأيديكم يوم إن نصرتم اليهود على احتلال أرضنا وقتل إخواننا فى فلسطين فسبيل الأمن أن ترفعوا ظلمكم عنا”، هكذا اختتم أسامة بن لادن -الزعيم السابق لتنظيم القاعدة- حديثه فى رسالة عمرها أكثر من عشرين عامًا أُعيد نشرها وتداولها على نطاق واسع الأيام الماضية فى الوسط الأمريكى تحت شعار “رسالة إلى أمريكا”، تزامنت مع الحرب الغاشمة التى تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلى ضد الفلسطينيين فى قطاع غزة بدعم واسع من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، لتحمل تلك الرسالة عددًا من الدلالات الخطيرة التى تنعكس على الداخل والخارج الأمريكى على حد سواء.

رسائل عديدة

ضمت الرسالة التى نشرتها صحيفة “الغارديان” البريطانية فى عام 2002، وتصدرت المشهد العالمى ومحركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعى عددًا من الجوانب المهمة التى تحدث فيها بن لادن عن أسباب كراهية المسلمين للولايات المتحدة، والتى دفعت مجموعة منهم إلى تنفيذ هجوم 11 سبتمبر الشهير، حيث انتقد فيها التدخلات الغربية فى الدول الإسلامية، والدعم الأمريكى لإسرائيل ضد الفلسطينيين، الأمر الذى  يولد غضبًا عند المسلمين ضد أمريكا وتوعد بالانتقام للشعب الفلسطينى حيث قال “يجب الانتقام للدماء التى تسيل من فلسطين على قدم المساواة، يجب أن تعلموا أن الفلسطينيين لن يبكوا وحدهم؛ ونساءَهم لن يترملن وحدهن، ولن يُيتّم أبناؤهم وحدهم”، وفى موضع آخر قال “لقد دعمتم اليهود فى فكرتهم بأن القدس هى عاصمتهم الأبدية، ووافقتم على نقل سفارتكم إليها، بمساعدتكم وتحت حمايتكم يخطط الإسرائيليون لهدم المسجد الأقصى، وبحماية أسلحتكم دخل شارون إلى المسجد الأقصى لتلويثه تمهيدًا للاستيلاء عليه وتدميره”، فى إشارة للتداعيات والعواقب المحتملة على الداخل الأمريكى بسبب سياساتها فى الأراضى الفلسطينية باعتبارها الطرف الرئيسى فى معادلة الظلم الإسرائيلى.

وواقع الأمر أن “بن لادن” دومًا ما يدعو إلى فك الحصار الذى تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وينتقد العرب الذين تخلوا عن الشعب الفلسطينى ومقاومة سلطات الاحتلال، ويشير إلى خلل القيم الإنسانية التى تنادى بها الدول الغربية فى ضوء الانتهاكات ضد المدنيين الفلسطينيين، فيذكر أنه فى ذكرى الستين للاحتلال الإسرائيلى لفلسطين صرح قائلًا “إن قيم العدل والحرية والإنسانية ما هى إلا شعارات جوفاء يرفعونها لمخادعة المستضعفين”.

دلالات خطرة

التشكيك فى الإدارة الأمريكية:

خلقت رسالة “بن لادن” بالتزامن الانتهاكات الجسيمة الإسرائيلية فى قطاع غزة حالة من الاستنكار العام للشعب الأمريكى الذى  تزعزع يقينه بشأن عدد من الثوابت، بالإضافة إلى انتقاد سياسات الإدارة الأمريكية ودعمها المطلق لإسرائيل خاصة مع تشابه الأسباب التى أشار إليها “بن لادن” كسبب لاستهدافهم مع ما يمارسه الأمريكان فى غزة فى الوقت الراهن.

الأمر الذى  بث القلق داخل واشنطن حيث انتقد (أندرو بيتس) متحدث البيت الأبيض – فى بيان- الرسالة المتداولة واصفًا اياها بأنها إهانة لضحايا هجمات 11 سبتمبر، قائلًا “لا يوجد أى مبرر على الإطلاق لنشر الأكاذيب البغيضة والشريرة والمعادية للسامية التى أطلقها زعيم تنظيم القاعدة بعد ارتكاب أسوأ هجوم إرهابى فى التاريخ الأمريكى، وتسليط الضوء عليها كدافع مباشر لقتل 2977 أمريكيًا بريئًا”.

خلق أزمة هوية داخل الشعب الأمريكى:

استطاعت الرسالة التى تبث نوعًا من التعاطف الجماهيرى الأمريكى مع القضية الفلسطينية من تحقيق أهدافها، فقد عبر العديد من الناشطين الأمريكين  الذين أعادوا نشر تلك الرسالة على حساباتهم عن تعاطفهم مع )أسامة بن لادن( وشعورهم بالصدمة بعد قراءة تلك الرسالة، كما أوضح البعض أنه تم خداعهم على مدار كل تلك السنوات الماضية، وأنه يتم تسويق فكرة الإرهاب بشكل مخادع فى إطار من الصراع الحضارى بين المسلمين وبين قيم الغرب الحضارية التى تم اعتمادها والترويج لها بكثافة، فى مقابل بناء الضغينة بسبب الدعم الأمريكى اللامحدود فى ارتكاب تلك المجازر على قطاع غزة واستهداف المدنيين، والتى ستنعكس بطبيعة الحال على الشعب الأمريكى كرد فعل وانتقام.

استدعاء فكر بن لادن:

استطاعت ردود الفعل تجاه تلك الرسالة وما تحتويه من لغة واضحة تدعو إلى الجهاد ضد المعتدى وارتكاب أعمال عنف عشوائية تستهدفه بما يبرر قتل المدنيين فى أى دولة تقاتل دولة ذات أغلبية مسلمة، أن تحول العدو الأول إلى الواجهة من جديد وتشرعن الأعمال العنيفة التى قد يستجيب لها مؤيدون التنظيمات الإرهابية فى عدد من دول العالم لاسيما فى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، خاصة فى ظل ارتباط التخوفات بعد السابع من أكتوبر بحركة حماس وما تلاه من رد الفعل العسكرى الإسرائيلى فى قطاع غزة وسقوط الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، وتداعيات ذلك من أن يوفر فرصة للحركات الجهادية العالمية لإحياء نفسها من جديد واستغلال الأزمة لصالحها، كتنظيم القاعدة إلى احتفل بعملية “طوفان الأقصى” ودعا إلى توسيع نطاق المعركة وكانت إحدى شعاراته “قادمون يا أقصى”، ومن المتوقع كلما طال الصراع وصار أكثر دموية زادت نبرة الغضب والعنف فى الأوساط الجهادية وأعطت مصداقية تجاه الأعمال الإرهابية.

فاعلية الأداة الصلبة فى مقابل الأداة الدبلوماسية:

أثبتت رسائل “بن لادن” مدى فاعلية النظرة الواقعية القائمة على استخدام القوة العسكرية والسلاح فى الصراعات والأزمات السياسية، ليس فقط من جانب الدولة إنما فى يد الفاعلين من غير الدولة، وفشل الأداة الدبلوماسية والمفاوضات فى إحداث تغييرات على أرض الواقع وتحقيق الأهداف المرجوة بين الأطراف، خاصة وأن أحد تلك الأطراف يتم التعامل معه باعتباره متطرفًا ويهدد الأمن القومى للدولة، وهو ما تمت الإشارة إليه فى الرسالة قائلًا “أن أمريكا وأوروبا تعتبران الجماعات المجاهدة فى فلسطين والشيشان والعراق وأفغانستان جماعات إرهابية فكيف يمكن التحاور والتفاهم مع هؤلاء بغير السلاح، وحكام منطقتنا يعتبرون أمريكا وأوروبا أصدقاء وحلفاء، ويعتبرون الجماعات المجاهدة ضد الصليبيين فى العراق وأفغانستان جماعات إرهابية أيضًا، فكيف يمكن التفاهم مع هؤلاء أيضًا بغير سلاح؟ هؤلاء وهؤلاء الذين ينكرون علينا حقنا فى الدفاع عن ديننا وأنفسنا حاصل كلامهم جميعا أن نخضع ولا نجاهد ونرضى بالعبودية لهم وهذا محال بإذن الله”.

إثبات فشل المنظومة القانونية والحقوقية:

أثبتت الرسالة ازدواجية معايير الدول التى تدعى الدفاع عن حقوق الإنسان وتنتهك بنفسها تلك الحقوق بأبشع الوسائل طالما يتعارض الأمر مع مصالحهم، وعبر “بن لادن” عن ذلك قائلًا: “ما تميزتم به فى تاريخ البشرية، هو أنكم استخدمتم قوتكم لتدمير البشرية أكثر من أى أمة أخرى فى التاريخ؛ ليس للدفاع عن المبادئ والقيم، بل للمسارعة إلى تأمين مصالحكم وأرباحكم، أنتم الذين ألقيتم قنبلة نووية على اليابان”، فتلك النظرة الغربية الاستعمارية هى التى دفعت القوى الغربية لإنشاء الهيئات والتشريعات القانونية والحقوقية التى تخدم عقيدتهم الاستبدادية وتتماشى مع أهدافهم ومصالحهم وتعتبر إرهاب الدولة ما هو إلا دفاع عن النفس والأمن القومى، والعكس صحيح تعتبر المقاومة والدفاع عن الأرض إرهابًا.

تصاعد التأييد الشعبى لوقف إطلاق النار فى غزة:

بدأ الشعب الأمريكى بربط الرسالة الموجهة إلى أمريكا بالعدوان الإسرائيلى على فلسطين، وبدأ بعضهم بنشر العديد من مقاطع الفيديو أيدت بعض تأكيدات “بن لادن” وحثت المستخدمين الآخرين على قراءة الرسالة فى سياق انتقاد الدعم الأمريكى لإسرائيل فى عدوانها المستمر على غزة، والدفع لتجديد الدعوات لوقف إطلاق النار فى غزة، كما هاجم بعض الكتاب الأمريكيين وجود إسرائيل على الأراضى العربية من الأساس، حيث صرح أحدهم قائلًا: “إن قيام إسرائيل واستمرارها من أعظم الجرائم، وأنتم قادة مجرميها، وبالطبع ليست هناك حاجة لشرح وإثبات درجة الدعم الأمريكى لإسرائيل، وأن قيام إسرائيل جريمة يجب محوها، وكل من تلوثت يداه بالمساهمة فى هذه الجريمة عليه أن يدفع ثمنها، ويدفع ثمنها غاليًا”.

مما سبق؛ حملت رسالة “بن لادن” المتداولة فى الوقت الذى فجرت فيه المقاومة الفلسطينية انتفاضاتها ضد الاحتلال الغاشم عددًا من الدلالات المهمة التى كانت بمثابة ناقوس الخطر لما قد يحدث مستقبلًا، خاصة مع السرعة والديناميكية الواسعة التى انتشرت بها تلك الرسالة، ليحقق الأمر نتائج عكسية ضد السياسات الغربية التى بدأ التشكيك فيها والنظر إليها بأنها مصدر للإرهاب الحقيقى والتطرف، وتنامى الحركات الشعبوية الاحتجاجية الرافضة للسلوك الغربى فى التعامل مع غزة.

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع