إعداد: إسراء عادل

المقدمة

أصبحت عملية تأمين المياه مسألة حيوية ذات علاقة مباشرة بمستقبل البلدان، فتحقيق الأمن المائى يعد الهدف الرئيسى للسياسة المائية فى كل بلد لضمان أمنها الغذائى، ولقد تعاظمت أهمية المياه لكونها تمثل إحدى المقومات الأساسية للتنمية فى مختلف مفاهيمها الاقتصادية والاجتماعية والصحية، كما تلعب دورًا مهمًا فى توزيع السكان وأنشطتهم الاقتصادية والزراعية والسياحية، بالإضافة إلى أنها تُعتبر واحدة من أهم مرتكزات الأمن الوطنى والاقتصادى فى أى بلد، خاصة فى المناطق الجافة وشبه الجافة، التى تقل فيها الأمطار، كما هو الحال فى العراق.

ويواجه العراق تحديًا أساسيًا يتعلق بالانحسار الكبير للمياه فى أنهاره الرئيسة، وذلك نتيجة للإدارة المائية الخاطئة، وسياسات دول الجوار المائية، وعلى وجه التحديد تركيا وإيران، بسبب المشروعات التى تنفذها تلك الدول دون مراعاة لحقوق العراق فى مياه الأنهار المشتركة، وتزداد هذه المشكلة خطورة مع تأثيرات التغير المناخى، ومن ثم فإن مشكلة المياه تقود بدورها إلى مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وتتحول إلى مشكلة جيوسياسية، ومصدرًا جديدًا لعدم الاستقرار والصراعات فى العراق والمنطقة.

جذور أزمة المياه فى العراق

إن مشكلة المياه فى العراق ليست مشكلة حديثة أو طارئة، بل هى مشكلة قديمة برزت بعد انهيار الدولة العثمانية فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وقيام الدولة العراقية، وتحول نهرى دجلة والفرات من نهرين وطنيين إلى نهرين دوليين، وتعد معاهدة لوزان 1923 هى أول معاهدة لتقسيم مياه الفرات بين كل من تركيا وسوريا والعراق.

أسباب الأزمة:

يتشارك العراق فى مسارات مياه دولية، خاصة فى حوضى دجلة والفرات، مع تركيا، الدولة الرئيسية المنبع لكلا الحوضين، وأيضًا مع سوريا فى حوض دجلة ولم يكن العراق قد عانى من أى مشكلة فى مياه نهرى دجلة والفرات إلى أن ظهرت متغيرات جديدة أثرت على معدلات استهلاك المياه فى تركيا وسياستها المائية مع الدول المتشاطئة معها، الأمر الذى أدى إلى أن تخضع العلاقات (العراقية – التركية) للتأثير بالعديد من المتغيرات والعوامل المشتركة، ولعل من أهمها ما يتعلق بالجوانب الأمنية والإستراتيجية والاقتصادية والثقافية، وتكمن مشكلة المياه فى العراق فى ثلاثة أبعاد:

الأول مرتبط بالتغيرات المناخية العالمية، فالعراق يعانى من تأثيرات التغيرات المناخية التى تمتد عبر الكرة الأرضية، حيث شهد تراجعًا فى معدلات سقوط الأمطار وتزايدًا فى الجفاف. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت ظاهرة التصحر بشكل ملحوظ فى البيئة العراقية، وأصبحت واقعًا يُشعر به يوميًا.

والثانى محلى داخلى يتعلق بسوء تخطيط وإدارة الموارد المائية، فالحكومات السابقة أهملت الموارد المائية ولم تضع خطط واضحة لاستخدامها، كما أن معظم المشروعات تحتاج إلى صيانة وتطوير، وهناك عدد كبير من محطات الضخ فى وضع سيئ وتحتاج إلى صيانة وإعادة تأهيل نظرًا لوجود الأعشاب المائية وعوامل التلوث البيئى التى تنتشر فى الأنهار الرئيسية والفرعية.

والثالث بُعد إقليمى مرتبط بتأثير دول الجوار على الأمن المائى العراقى، فمعظم الموارد المائية فى العراق تأتى من مصادر من وراء الحدود مع تركيا وإيران وسوريا، لذلك تتحكم دول المصدر بموارد العراق المائية من خلال إنشاء مجموعة من المشاريع المائية، والتى تركت أثرًا سلبيًا وتسببت بخلل كبير فى تدفق المياه نحو العراق، فهناك ثمة مشاريع عملاقة تنفذها تركيا، لتأمين المياه للزراعة والطاقة الكهرومائية، أبرزها مشروع جنوب شرقى الأناضول الكبير (GAP) والذى يشمل بناء 22 سدًا أهمها سد أتاتورك على نهر الفرات، وسد إيليسو على نهر دجلة، الأمر الذى أدى إلى هجر أجزاء كبيرة من الأراضى الزراعية فى العراق نتيجة انخفاض نسب المياه فى الجزء الأسفل من أحواض نهرى دجلة والفرات.

تداعيات استمرار الأزمة:

يعانى العراق من أزمة مياه حادة جراء شح المياه التى تراجعت كميتها إلى مستوى ينذر باحتمال فقدان مياه الشرب، فى ضوء انخفاض المخزون المائى الإستراتيجى إلى 7.5 مليارات متر مكعب للمرة الأولى بتاريخ البلاد، فضلًا عن تراجع إيرادات المياه فى نهرى دجلة والفرات وروافدهما لكثرة السدود المقامة على منابعهما فى تركيا وإيران، وتراجع سقوط الأمطار على عموم العراق إلى أدنى مستوياتها، الأمر الذى تسبب فى وجود تداعيات كارثية للأزمة على كافة الأصعدة.

فعلى الصعيد الاجتماعى، أدت أزمة المياه فى المجتمع العراقى إلى تآكل العلاقات الاجتماعية، واندلاع اشتباكات دامية بين المزارعين ومربى المواشى، وتشرد الآلاف من الناس كل عام، حيث أجبر الجفاف %35 من الأسر على الاعتماد على المساعدات الغذائية بعد نقص المحاصيل، وتخفيض استهلاكهم الغذائى، مما أدى إلى تراجع فى الاكتفاء الذاتى وقله الإنتاجية وازدياد نسبة الفقر بين سكان المناطق الريفية، فضلًا عن تهديد الأمن الغذائى للمزارعين والهجرة للعمل فى قطاعات أخرى، الأمر الذى يهدد بانهيار القطاع الزراعى فى مناطق واسعة، بالإضافة إلى تهديد الصحة العامة، وتوفير بيئة لانتشار الأمراض الخطيرة، حيث ظهرت حالات مرضية كالفشل الكلوى والكوليرا وبعض الأمراض السرطانية بين السكان.

وعلى الجانب الاقتصادى، نجد أن أزمة المياه تأتى بآثارها السلبية على الاقتصاد العراقى بمختلف قطاعاته، حيث يتسبب نقص الموارد المائية فى نقص مستويات الأنهار فى السدود الكهرومائية، مما يؤدى إلى نقص إمدادات الطاقة الكهربائية وزيادة الاعتماد على الطاقة التقليدية، كما يتسبب الجفاف فى نفوق الثروة السمكية وزيادة تركيز الملوثات فى الأنهار، بالإضافة إلى الانعكاسات السلبية على القطاع الصناعى، فهناك صناعات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، فضلًا عن تراجع إيرادات السياحة الداخلية المرتبطة بالمجارى المائية فى العراق.

أما على الصعيد السياسى، فإن نقص المياه قد أدى إلى مشكلات وأزمات سياسية، وتوتر فى العلاقات العراقية مع دول المنبع خاصةً فى حالة عدم الاستقرار السياسى والأمنى، فقضية المياه تبرز على الصعيد الدولى تحديًا جديدًا من التحديات التى يمكن أن تهدد الأمن، والذى يجب أن تستعد له كل الأطراف إقليميًا ودوليًا، فضلًا عن استخدام المياه كسلاح سياسى وورقة ضغط للمساومة بين الدول. 

وهناك تداعيات بيئية، فمع التغيرات المناخية التى تمثلت بارتفاع درجات الحرارة وشح الأمطار؛ ازدادت معدلات التصحر، وقلت المساحات الخضراء، إلى جانب ازدياد العواصف الترابية وتدهور حالة النبات الطبيعى وغياب الطيور المهاجرة وتردى حالة المناخ، الأمر الذى يهدد الأمن الغذائى والصحى والبيئى للعراق.

أبرز الجهود العراقية المبذولة لحل أزمة المياه

تسعى الحكومة العراقية لإيجاد خطط وإستراتيجيات هادفة للتغلب على أزمة الجفاف وشح المياه، حيث قامت الحكومة العراقية بإنشاء عدد من المشاريع المائية الكبرى على نهرى دجلة والفرات، منها مشروع الثرثار الذى يربط بين نهرى دجلة والفرات، وكان الهدف منه تعزيز تصريف نهر الفرات فى أوقات الحاجة من بحيرة الثرثار التى تتغذى من مياه نهر دجلة، ومن الواضح أن الربط بين النهرين عبر سد سامراء الواقع على نهر دجلة إلى الشمال من بغداد، يمنح النظام المائى العراقى مرونة عالية خاصةً بعد إنشاء السدين التركى والسورى (كيبان والطبقة)، فضلًا عن تأمين حماية بغداد من آثار الفيضانات المتوقعة، كما يعتزم العراق إنشاء سد مائى كبير على شط العرب، للحفاظ على مياهه ومعالجة الملوحة، ومن المتوقع أن يُؤمن السد طاقة مائية تصل إلى مليون متر مكعب فى الساعة، بالتالى فإنه يعد من أهم المشاريع الإستراتيجية التى كان من المفترض أن تذلل جميع العقبات التى تحول دون الإسراع فى إنجازها.

إلى جانب بدء حكومة العراق فى تحلية مياه البحر للاستفادة منه لسد العجز المائى، بالإضافة إلى اتباع عدة إجراءات وسياسات تتمثل فى الإدارة المائية الحكيمة واستخدام الطرق الحديثة كالاستمطار والتقنيات الحديثة فى الرى والإنتاج الزراعى، فضلًا عن التوصل إلى اتفاقات منصفة مع الجيران مبنية على مبادئ القانون الدولى، كما يلعب المجتمع المدنى دورًا أيضا فى قضية توعية الناس بأهمية الترشيد فى استهلاك المياه، بالإضافة إلى الرقابة على الأداء الحكومى من أجل ضمان عدالة مائية لجميع سكان العراق.

مراحل المفاوضات بين بغداد وأنقرة حول ملف المياه

تعود جذور أزمة المياه بين العراق وتركيا إلى عشرينات القرن الماضى، حيث شهد عام 1920 توقيع اتفاقيات ثلاثية بين العراق وتركيا وسوريا لتقسيم مياه نهرى دجلة والفرات وفقًا للمعايير الدولية المتبعة، وكانت أولى هذه الاتفاقيات معاهدة لوزان 1923 بين كل من تركيا من جهة، وفرنسا وبريطانيا (الدولتين المنتدبتين على العراق وسوريا حينها) من الجهة الأخرى، وتضمنت نصًا خاصًا يتعلق بمياه نهرى دجلة والفرات فى المادة 109 منها، بأنه “لا يحق لأى دولة من هذه الدول الثلاث إقامة سد أو خزان أو تحويل مجرى نهر من دون أن تعقد جلسة مشتركة مع الدول الأخرى وتستشيرها لضمان عدم إلحاق الأذى بأى طرف”، كما أشارت إلى أنه “فى حال تعذر الاتفاق بين الدول المعنية بشأن هذا الموضوع فإنه يحال إلى التحكيم”.

ثم وقع الطرفان عام 1946 البرتوكول رقم 1 الخاص بتنظيم مياه النهرين الملحق بمعاهدة الصداقة وحُسن الجوار الموقعة بين العراق وتركيا، ومن هنا جرت أولى المفاوضات بين دول الحوض لتقسيم المياه عام 1962، حيث رفضت تركيا اعتبار نهرى دجلة والفرات نهرين دوليين، وبذلك خالفت (المادة د) من مبادئ هلسنكى لعام 1966 باعتبار الفرات نهرًا دوليًا، واعتبرته نهرًا عابرًا للحدود فقط، وبالتالى تجاهلت تركيا كل القواعد والأعراف المنظمة لاستخدامات مياه الأنهار الدولية، وعليه فقد فشلت كل المفاوضات السابقة وما نتج عنها من معاهدات ومواثيق لإيجاد تنسيق قانونى وعادل لتوزيع مياه نهرى دجلة والفرات.

ولم تنقطع سلسة التفاهمات بين البلدين، ففى عام 1972 وقع العراق وتركيا بروتوكولًا للتعاون الاقتصادى والفنى، وتعهدت فيه تركيا باطلاع الجانب العراقى على برنامج ملء خزان سد كيبان، وذلك لتأمين احتياجات العراق من المياه، وأن يباشر الطرفان مباحثات حول المياه المشتركة بنهر الفرات وبمشاركة جميع الأطراف المعنية بما فى ذلك سوريا، كما تم توقيع بروتوكول آخر للتعاون الاقتصادى والفنى بين البلدين فى عام 1980، قضى بتشكيل لجنة فنية لتحديد الكمية المناسبة من المياه التى يحتاجها كلا البلدين، وعلى اللجنة أن تقدم تقريرها خلال مدة سنتين.

وفى عام 2018 تكرر المشهد ذاته عقب إنشاء سد إيليسو ضمن السياسة المائية التركية المتمثلة بمشروعها الضخم “GAP” المتضمن إقامة 22 سدًا و19 محطة كهرومائية لاستصلاح 1.9 مليون هكتار على نهرى دجلة والفرات، ورغم عقد البلدين العديد من جولات المفاوضات بشأن المياه إلا أن تركيا لم تتخلَ عن تنفيذ مشروعها الأبرز فى جنوب شرق الأناضول دون مراعاة مصالح جيرانها، وهذا يعتبر مخالف للاتفاقيات الثنائية وقواعد القانون الدولى التى تحدد ضوابط الانتفاع المنصف والمعقول من مياه الأنهار الدولية.

واستمرت المفاوضات تتراوح بين البلدين، حتى أعلنت وزارة الموارد المائية العراقية عن توقيع بروتوكول لتوزيع مياه دجلة فى أكتوبر 2021، وبعد ثمانية أشهر من هذا الإعلان، ظهر حاكم الزاملى نائب رئيس البرلمان العراقى مهددًا تركيا وإيران بإصدار قانون تجريم التعامل التجارى مع الدولتين بسبب تراجع الحصص المائية للعراق، وبعد ذلك قدم الزاملى استقالته لأسباب سياسية من البرلمان، وبقى ملف المياه حبيس التصريحات.

وفى عام 2022 أجرت بغداد وأنقرة جولات مفاوضات عدة لم تنته إلى شيء، وعليه اتهمت العراق تركيا بالتعنت فيما يخص تخفيض معدل إطلاق مياه نهرى دجلة والفرات، وفى 2023 توالت لقاءات الوفود العراقية مع الجانب التركى بشأن ملف المياه، وتضمنت ثلاثة أمور، الأول مرتبط بتأمين إيرادات مياه مناسبة ومنصفة ومستدامة دون توقفات أو تقليل التدفقات، والثانى يتمثل فى الاتفاق على مبدأ تقاسم المنفعة والضرر فى ملف شحة المياه، والثالث يتعلق بالإدارة المشتركة لحوضى دجلة والفرات من خلال تبادل المعلومات والمشاركة باتخاذ القرارات والتنسيق بمجال البحوث والتدريب والتطوير لتعزيز ملف الموارد المائية.

وأعلنت لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية فى يناير 2024 فشل المفاوضات بين الحكومة العراقية ونظيرتها التركية بشأن موضوع المياه، مؤكدة أن المياه ليست سلعة بل حقًا من حقوق الإنسان يجب توزيعها بشكل متساوٍ، كما أوضحت اللجنة أن أحد السدود التركية قام بحجب أكثر من %50 من المياه المخصصة للعراق، مشيرة إلى أهمية إجراء مفاوضات جادة وناجحة لتحقيق توزيع عادل للمياه بين الدول.

مقايضة الماء بالنفط

على الرغم من أن الحكومة التركية تُظهر تشددًا فى ملف المياه وتستخدم أسلوب المماطلة فى الاستجابة للمطالب العراقية، فإن العراق يحاول استثمار الرغبة التركية فى الدخول فى شراكة اقتصادية معه واقتحام سوقه الاستثمارية للاستفادة من موقعه الجغرافى وثروته النفطية، ومن هنا بدأ العراق يرى فى الاقتصاد خيارًا مناسبًا لحل الخلافات بين البلدين بشأن ملف المياه، وأداة فعالة لتليين الموقف التركى عبر معادلة تقوم على إتاحة الفرصة لأنقرة للاستفادة من ثروته النفطية مقابل تمكينه من حصص أكبر من مياه دجلة والفرات، خاصةً فى ظل ما أظهرته الحكومة التركية من حرص على تعزيز التعاون الاقتصادى مع العراق، ولكن هناك بعض التحديات التى تواجه تنفيذ خيار النفط مقابل الماء، منها الحاجة إلى اتفاق ملزم بين البلدين يُحدد بموجبه كميات المياه والنفط التى سيتم تبادلها، بالإضافة إلى الحاجة إلى استثمارات كبيرة فى مشاريع البنية التحتية مثل السدود والقنوات لضمان نقل المياه والنفط بشكل آمن.

كما يحاول العراق توظيف النفط لاختراق الحصار المائى من خلال معالجة الخلافات التى تحول دون استئناف تصدير النفط العراقى عبر خط أنابيب (كركوك – جيهان)، بعد أن توقف التصدير فى مارس الماضى عقب صدور حكم دولى يقضى بتغريم تركيا 1.5 مليار دولار، بسبب تصديرها للنفط فى إقليم كردستان العراق دون موافقة الحكومة الاتحادية فى بغداد، فضلًا عن محاولة إيجاد صيغة لإسقاط الغرامة عن تركيا واستئناف تصدير النفط الذى تسبب توقفه بخسائر مادية لكل الأطراف (تركيا والعراق وإقليم كردستان).

سيناريوهات مستقبل ملف أزمة المياه بين العراق وتركيا:

شكلت العلاقات (العراقية – التركية) واحدة من أعمق العلاقات بين البلدين على المستوى الإقليمى منذ قيام الدولتين العراقية والتركية بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد عام 2003 لم تكن هذه العلاقات على وتيرة واحدة بل تخللتها مراحل صعود وهبوط بسبب وجود مجموعة من التحديات المتعلقة بالحدود والمياه وحزب العمال الكردستانى المعارض للنظام التركى، فضلًا عن استمرار الجانب التركى باستغلال الأوضاع غير المستقرة التى تمر بها المنطقة إقليميًا وعالميًا وتزامن ذلك مع حالة الضعف التى يمر بها العراق على المستوى الداخلى، لذا من المحتمل استمرار العلاقات (العراقية – التركية) القائمة على الشد والجذب خلال المدة القادمة تبعًا للمتغيرات الداخلية لكل من العراق وتركيا والمتغيرات الإقليمية والدولية، فعلى الرغم من محاولات الدولتين فى تجاوز كافة المعوقات التى تقف حائلًا أمام علاقات طبيعية تتسم بالاستقرار والاحترام المتبادل، ولكن الخلاف وعدم التوافق كان السمة الأبرز بين البلدين، وذلك لعدم وجود جدية حقيقة فى إيجاد حلول ناجحة للقضايا الخلافية خصوصًا من قبل الجانب التركى، وعليه فإن سيناريوهات مستقبل ملف أزمة المياه بين العراق وتركيا تسير فى اتجاهين متناقضين هما:

(١) سيناريو التعاون وتعزيز العلاقات بخصوص مسألة المياه:

فالمياه يمكن أن تكون عاملًا مهمًا لتعزيز التعاون بين البلدين، ولكن الأحداث الجارية تؤكد مدى التناقض بين تصريحات الجانب التركى بشأن التعاون، والممارسة العملية المتمثلة فى عرقلة الجهود الرامية لتحديد حصص المياه عبر اتفاق ثلاثى، وفى الوقت نفسه إقامة المشروعات المائية دون تشاور مع الدول المتشاطئة معها، وعدم تزويدها بالبيانات اللازمة، الأمر الذى يؤكد عدم وجود تطبيق لمفهوم التعاون فى إدارة المياه الدولية المشتركة، ومن هنا نجد أن هذا السيناريو يمكن أن يتوقف بالأساس على حلحلة عدد من القضايا الأخرى التى تربط بين البلدين، فحل قضية المياه يتوقف على الرؤية الإستراتيجية للبلدين فى حل القضايا الأخرى كالقضايا الأمنية وضبط الحدود، وملف حزب العمال الكردستانى، وتعزيز العلاقات الاقتصادية وإتاحة الفرصة للشركات التركية للاستثمار داخل العراق.

(٢) سيناريو التصعيد بين البلدين:

تعود مشكلة مياه نهرى دجلة والفرات بين والعراق وتركيا إلى تاريخ ليس بالحديث، فعلى الرغم من إجراء مباحثات عديدة حول تقسيم المياه إلا أنه لم يتم التوصل إلى اتفاقية ملزمة بين الطرفين، فالمشروعات المائية التركية أثارت مخاوف كل من العراق وسوريا لذلك احتجت الدولتان للضرر الذى أصاب اقتصادهما، وتفاقمت الأمور أكثر عند استمرار تركيا فى إقامة المشاريع التنموية خاصة مشروع جنوب شرق الأناضول الذى قام بحجز أكثر من نصف المياه المتدفقة إليهما، وعلى ذلك فإذا لم يتم التوصل إلى حل مرضٍ ربما تتصاعد حدة الخلافات العميقة بين البلدين على المياه، مما سيؤثر بشكل خطير على حالة عدم الاستقرار فى العراق ويزيد من تفاقم أزماته الداخلية.

التوصيات:

تهدف هذه التوصيات الى معالجة أزمة المياه فى العراق من خلال عدة مسارات، بهدف تحقيق استدامة الموارد المائية ولضمان أمنها المائى، والتى منها:

  1. تعزيز التعاون مع دول المنبع، خاصة تركيا، من خلال مفاوضات بناءة للوصول إلى اتفاقيات ملزمة بشأن توزيع المياه، وإقامة آليات دبلوماسية فعّالة لتسوية النزاعات المائية وتحفيز التعاون فى مجال إدارة المياه.
  2. تعزيز الجهود لحل القضايا الحدودية المتبقية بين العراق وتركيا لتعزيز الاستقرار والثقة بين البلدين، وكذلك تشجيع التبادل التجارى والاستثمار بين العراق وتركيا لتعزيز الروابط الاقتصادية وتحقيق المصالح المشتركة، وتوطيد التعاون الأمنى بين البلدين لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة وضمان استقرار المنطقة، بالإضافة إلى التعاون مع المجتمع الدولى والمنظمات الإقليمية لدعم عملية التفاوض وتحقيق التوازن فى توزيع المياه.
  3. تعزيز استخدام التكنولوجيا الحديثة فى إدارة الموارد المائية، وممارسات الرى الفعّالة واعتماد تقنيات الرى الحديثة لتحسين كفاءة استهلاك المياه فى الزراعة.
  4. دعم المزارعين وتحفيز التنوع «diversification» من خلال توفير دعم فنى ومالى للمزارعين لتحسين طرق الزراعة المستدامة وتقليل الاعتماد على المياه، وتشجيع تنويع المحاصيل لتعزيز مرونة القطاع الزراعى تجاه تقلبات المياه.
  5. إطلاق حملات توعية وتثقيف للمجتمع حول أهمية حفظ المياه واستدامة استخدامها، مع دمج مواضيع بيئية ومائية فى المناهج التعليمية لرفع الوعى بين الشباب.
  6. وضع إستراتيجيات وطنية للتكيف مع تغير المناخ وتأثيراته على الموارد المائية، وتعزيز الإجراءات الطارئة وخطط الاستجابة لتقليل التداولات السلبية لنقص المياه.
  7. البحث عن دعم دولى لمساعدة العراق فى مواجهة أزمة المياه، والتعاون مع الهيئات والمنظمات الدولية لتحقيق حلول شاملة ومستدامة.

ختامًا

فى ظل تداعيات الأزمات المتعلقة بالمياه فى المنطقة، قد تكون المنطقة العربية ومن ضمنها العراق مقبلة على حرب مياه محتملة، وذلك لوقوع منابع المياه خارج أراضيها مما يتيح لدول المنبع التحكم فى مصادر المياه وبما يتوافق مع مصالحها الاقتصادية والسياسية، الأمر الذى يُحتم على الدولة العراقية وضع خطط إستراتيجية للتغلب على خطر ندرة المياه ولا سيما أن التنبؤات المستقبلية تشير إلى أن العراق سيصبح تحت خط الفقر المائى.

كما يحتاج العراق إلى جهود كبيرة لجعل القضية المائية أولوية سياسية واقتصادية ضرورية لضمان الاستقرار الاجتماعى، فعلى الرغم من الوضع المائى الحرج الناتج عن كون العراق دولة مصب، فإن الاهتمام الرسمى والشعبى بموضوع المياه لا يقفز إلى مقدمة الاهتمامات إلا خلال مواسم الجفاف، ويتراجع عند تحسن إيرادات البلاد من المياه، وبالتالى فهناك حاجة ماسة لتحويل هذا الموضوع إلى قضية وطنية ذات أولوية راسخة فى المجتمع العراقى، فالمشكلات المائية فى العراق تظل تحديات واقعية ضاغطة لا يمكن تجنبها بالشكاوى من إجحاف دول الجوار، ولكن من خلال ابتكار وسائل فعالة تُخرِج العراق من حالة التلقى السلبى إلى حالة الاستجابة الفاعلة للشروط الجديدة، وتقديم خدمات المياه للمجتمع بصورة أفضل.

كلمات مفتاحية