بعد أزمة “صومالي لاند”.. ماذا تحمل زيارة الرئيس الصومالي إلى القاهرة؟

إعداد: منة صلاح

باحثة متخصصة في الشؤون الأفريقية

وصل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، إلى العاصمة المصرية (القاهرة)، يوم السبت 20 يناير الجاري؛ وتأتي هذه الزيارة استجابةً لدعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ إذ نقلها وفد رفيع المستوى لمقديشو؛ وذلك بهدف بحث سُبل تعزيز العلاقات بين البلديْن في كافَّة المجالات، فضلًا عن بحْث قضية الاتفاق الإثيوبي مع “صومالي لاند”؛ نظرًا لما تُشكِّلُه من تهديدات للأمن العربي بشكلٍ عامٍ، وأمن دول منطقة القرن الأفريقي بشكلٍ خاصٍ؛ ما يشير إلى دور مصر المحوري في القارة الأفريقية، وتُعدُّ هذه الزيارة الثانية للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ تولِّيه الحكم، ما يؤكد على متانة العلاقات بين البلديْن، خاصَّةً أن مصر تقدم كافَّة أشكال الدعم للصومال.

مسار العلاقات “المصرية – الصومالية”

ترتبط مصر والصومال بعلاقات قوية على مدار التاريخ؛ إذ ساندت مصر الحركات التحرير الصومالية ضد الاستعمار حتى حصلت على استقلالها، وقدَّمت أيضًا المساعدات لأبناء الصومال والجيش الوطني في مواجهة التحديات، وإرساء الأمن والاستقرار في البلاد، ودائمًا ما تحرص على التنسيق مع الحكومة الصومالية في العلاقات الخارجية، ومنذ تولِّي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تبادلت البلدان الزيارات الدبلوماسية، وتم توقيع ما يزيد عن 15 مذكرة تعاون في كل المجالات، كما ظهر التطور الإيجابي للعلاقات بين البلديْن في العديد من الفعاليات؛ إذ حضر كبار المسؤولين المصريين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، حفل تنصيب الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في مقديشو.

أهمية توقيت زيارة الرئيس الصومالي إلى القاهرة

جاءت هذه الزيارة؛ تلبيةً لدعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لزيارة مصر؛ إذ تم تسليم هذه الدعوة من قِبَلِ وفد مصري رفيع المستوى، والذي زار الصومال مؤخرًا، وأعرب الرئيس الصومالي عن تقديره للحكومة المصرية على دعمها للصومال بشكلٍ كاملٍ، كما جاءت في ظل ما تواجهه الصومال من تهديدات لأمنها واستقرارها، وذلك عقب انتهاك إثيوبيا لسيادتها ووحدة أراضيها؛ إذ تمَّ إبرام مذكرة تفاهُم غير قانونية مع إقليم أرض الصومال (صومالي لاند)، وتضمَّنت إنشاء منْفَذٍ بحري وقوة عسكرية بحرية على البحر الأحمر؛ ما يُهدِّد الملاحة البحرية ويخالف قواعد القانون الدولي، ونظرًا لأهمية هذه الزيارة، فقد تضمَّنت لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، والأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، والإمام الأكبر شيخ الأزهر؛ بهدف بحْث أبرز المستجدات في المنطقة.

أهداف ودلالات زيارة الرئيس الصومالي إلى القاهرة

يسعى الصومال إلى تنسيق المواقف مع مصر؛ نظرًا للدور الفعَّال الذي تؤدِّيه في المنطقة، وحشْد التأييد لموقفه الرافض للاتفاق الذي تمَّ توقيعه بين إثيوبيا و”صومالي لاند”، والذي يمنح أديس أبابا الحق في استخدام ميناء بربرة، المُطلّ على خليج عدن بالبحر الأحمر، إضافةً إلى إنشاء قاعدة عسكرية لها، مقابل الاعتراف بها كدولة مستقلة؛ لذا جاءت الزيارة بهدف تنسيق الجهود “المصرية – الصومالية”؛ للعمل على الحفاظ على وحدة واستقرار الصومال، في ظل العلاقات التاريخية التي تجمع البلديْن.

ويهدف الرئيس الصومالي من هذه الزيارة أيضًا إلى التشاور مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، حول النهج الذي يمكن أن تقوم به الحكومة الصومالية بتأييدٍ من قِبَلِ الحكومة المصرية في المحافل الدولية والأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز؛ بناءً على تأكيد وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال تواجده بالعاصمة الأوغندية (كمبالا)؛ للمشاركة في القمة التاسعة عشرة لدول عدم الانحياز، التضامُن المصري مع الصومال ضد كل ما يهدد سلامة أراضيه وانتهاك سيادته، وبالإضافة إلى ذلك، تهدف الزيارة إلى تعزيز القضاء على الإرهاب؛ سعيًا لتحقيق التنمية وتحقيق تطلُّعات الشعب الصومال، نحو مستقبل يُفضي إلى عودة الصومال؛ ليتبوأ موقعه كعضوٍ فاعلٍ في منطقة الشرق الأفريقي.

رسائل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الزيارة

حملت هذه الزيارة العديد من الرسائل المهمة؛ من أجل الحفاظ على أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وسوف نتطرق إلى أبرز تلك الرسائل على النحو التالي:

الدعم والتضامن المصري مع الصومال

برز التضامن المصري مع الصومال بشكلٍ كبيرٍ، عندما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، على رفْض مصر التَّام للاتفاق الذي وقع بين إثيوبيا وأرض الصومال، مع الإشارة إلى وقوف مصر إلى جانب الأشقاء ضد أي تهديد، كما أكد على عدم السماح بأي تهديدٍ للصومال ولأمنه، وذلك على اعتبار أن الصومال دولة عربية ولها حقوق، وفقًا لميثاق جامعة الدول العربية في الدفاع المشترك لأي تهديد، لا سيما أن الصومال تواجه تهديدات منذ عام 1991م، وأكد الرئيس أيضًا على الدعم المصري لوحدة وسلامة أراضي الصومال، ورفض التدخُّل في شؤونه الداخلية، أو المساس بسيادته، ورفض الاتفاقية غير القانونية، والتي تخالف قواعد القانون الدولي.

نجاح الصومال في مكافحة الإرهاب

أشاد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بما قامت به دولة الصومال من إنجازات، خلال الآونة الأخيرة، بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود، في التصدِّي للإرهاب؛ إذ تمكَّن من السيطرة على أرضه ومكافحة الإرهاب، وذلك بالإضافة إلى رفْع الحظر المفروض على الصومال، منذ عام 1991م، والذي كان يتعلق بتوريد الأسلحة والمعدات، فضلًا عن شطْب الديون التي كانت تثقل عاهل الصومال.

رفض اتفاق إثيوبيا مع أرض الصومال

أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الزيارة، على أن مصر ترى أن التعاون والتنمية بين الدول أفضل من أي طريقة أخرى، وحتى تحصل إثيوبيا على تسهيلات من الأشقاء في الصومال وجيبوتي وإريتريا، قد يكون ذلك من خلال الطُّرُق التقليدية المُتعارف عليها، والاستفادة من الموانئ، ولكن محاولة السيطرة على أرضٍ من الأراضي هي طريقة غير مقبولة؛ ما يشير إلى رفْض مصر لأي محاولات إثيوبية في انتهاك سيادة الدول.

ختامًا:

تعكس زيارة الرئيس الصومالي إلى القاهرة حضور مصر القوي في القرن الأفريقي، وسعيها لتوطيد العلاقات مع كل الدول الأفريقية؛ لتحقيق التنمية الشاملة، وقد تدفع هذه الزيارة بمسار العلاقات بين البلديْن في كل المجالات، وذلك في ظلِّ نهْج الرئيس لتعزيز التعاون مع مصر، وتبادل الرُّؤَى ووجهات النظر نحو سُبل التعامُل مع التحديات التي تواجه المنطقة، ولهذه الزيارة أهمية من حيث التوقيت والدلالة، سواء فيما يتعلق بموقف مصر والصومال الرافض للتدخُّل الإثيوبي في الشأن الداخلي للصومال، أو الحفاظ على أمن الدولة نتيجة تهديدات الحوثيين، وقد يُشكِّلُ رفْض جامعة الدول العربية لاتفاق إثيوبيا و”صومالي لاند”، بجانب التحرُّكات المصرية مع دول الجوار، آلية عمل؛ لعدم الاعتراف بالنتائج المترتبة على هذه الاتفاق؛ نظرًا لأنه بين دولة وإقليم غير معترف به، وهو ما يخالف المواثيق الدولية.

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع