بعد دخول الهدنة الإنسانية في غزة حيِّز التنفيذ: قراءة أولية في دلالات تلك الخطوة  

إعداد: رضوى الشريف

باحث متخصص في شؤون الشرق الأوسط

نفَّذت إسرائيل وحركة “حماس” الدفعة الأولى من اتفاق صفقة تبادل الأسرى، الذي يتخلله هدنةٌ لأربعة أيامٍ، بدايةً من صباح أمس الجمعة 24 نوفمبر؛ إذ أفرجت كتائب القسام عن 13 رهينةً إسرائيليةً، فيما أُطلق سراح 39 أسيرًا فلسطينيًّا من النساء والأطفال من السجون الإسرائيلية، كما دخلت شاحنات مُحمَّلة بالوقود وغاز الطهي والمساعدات الغذائية والطبية إلى قطاع غزة.

وجرى التوصُّل إلى الهدنة الإنسانية، بموجب اتفاقٍ بين إسرائيل وحركة “حماس”، بوساطة “قطرية، ومصرية، وأمريكية”، ويتضمن الاتفاق إطلاق سراح 50 إسرائيليًّا من غزة، مقابل الإفراج عن 150 فلسطينيًّا من السجون الإسرائيلية، وإدخال مئات الشاحنات المُحمَّلة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية والوقود إلى كل مناطق القطاع.

بالرغم من أن تكلفة الوصول إلى هذه الهدنة لم تكن سهلة ولا ميسورة، فقد كلفت سكان قطاع غزة زمنًا داميًا، سيكون الأطول في تاريخ حروبهم مع إسرائيل، كما دفعوا من ثرائهم البشري قرابة 15 ألف شهيد، أكثرهم من الأطفال، ولأن الهدنة كانت ضرورة إنسانية لسكان غزة، وكانت بالنسبة لإسرائيل خيار ما قبل إعلان الهزيمة، في الوصول إلى الأسرى في غزة، يوجد دلالات هامة، يجدر ذكرها عما تعنيه تلك الهدنة بالنسبة لأطراف الصراع.

بالنسبة لحركة حماس:

  • بعد مرور ما يقارب من 50 يومًا على الحرب، وصمود حركة “حماس” في مواجهة الجيش الإسرائيلي، تشير الهدنة إلى نجاح الحركة في تحقيق أهم أهدافها، والتي كانت متمثلةً بشكلٍ رئيسيٍّ، في إعادة زَخَمِ القضية الفلسطينية، بعد أن كانت طيَّ النسيان، بجانب ذلك، نجحت “حماس” في الحصول على شرعية شعبية إقليمية – إن لم تكن دولية، ولكن بمقاييس مختلفة – والاعتراف بصمودها، حتى تلك اللحظة من التوقيع على اتفاق الهدنة، هو قبول شرعي غير مباشر بحركة “حماس”؛ إذ فرضت الحركة نفسها – طبقًا لسياسة الأمر الواقع – عن طريق الانخراط في مباحثات علنية وغير علنية مع دول الجوار؛ وعلى رأسهم “مصر، وقطر”.
  • من الناحية العسكرية: تعتبر هذه الهدنة بالنسبة إلى “حماس” بمثابة استراحة المحارب؛ حيث ستمنحها فرصةً لإعادة تجميع صفوفها، وإعادة التمركز، وإعادة دراسة استراتيجيتها، لكن في الجهة الأخرى، فإن وقْف إطلاق النار لن ينفع بالضرورة القوات الإسرائيلية بنفس الطريقة، التي ستستفيد بها “حماس”، خاصةً أن الحركة قد أثبتت كفاءتها وعلو أيديها على الجانب الإسرائيلي، فيما يتعلق بالحروب الميدانية.
  • بالرغم من قلة ومحدودية الموارد لدى حركة “حماس”، مقارنةً مع إسرائيل، إلا أنها نجحت من خلال حرب إعلامية وخطابات دقيقة ومحددة، في فضْح مجازر الجانب الإسرائيلي، وحتى نفي اتهاماته؛ الأمر الذي ساهم إلى حدٍّ ما في تغييرٍ للصورة، التي حاول الغرب إلصاقها بحركة “حماس”، أنها جماعة إرهابية لا تعرف معنى السلام، خاصةً أن “حماس” تعتبر أن الهدنة التي وافقت عليها إسرائيل هي نفسها ما عرضته الحركة على إسرائيل، على لسان المتحدث الرسمي باسم كتائب عز الدين القسام، قبل 3 أسابيع؛ ما يعني ضمنيًّا أن إسرائيل أضاعت وقتًا كثيرًا؛ لتعترف ضمنيًّا بأن آمالها في تحقيق انتصار مستحيلة.

 بالنسبة للجانب الإسرائيلي:

  • سيسعى المسؤولون الإسرائيليون – خاصَّةً اليساريين – إلى الاستعراض بصفقة تبادل الأسرى، على أنها صورة انتصار فرضتها إسرائيل على “حماس” باجتياحها البري، ولكن هو في حقيقته، سيكون بمثابة (اعتراف بعدم النجاح في إعادة الرهائن الإسرائيليين من خلال عملية عسكرية، واعتراف بحدود القوة في استعادتهم؛ وهو ما كان يشكل أحد أهم أهداف الحرب في غزة)، ولكن في الواقع، حتى لو نجح الجانب الإسرائيلي في فرض شروطه فعلًا من الناحية التقنية بخصوص الهدنة، إلا أنه من الناحية السياسية خاضع لضغطٍ من أطراف دولية؛ على رأسهم الولايات المتحدة.
  • الهدنة لا تعني انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، بل ستمنح القيادة العسكرية الإسرائيلية الوقت للتخطيط والاستعداد عسكريًّا للجولة المقبلة من الصراع، وذلك من خلال الحصول على إمدادات السلاح من الدول الحليفة، أو حتى إعادة التموْضُع لقواتها في الأجزاء الشمالية من القطاع.
  • يبدو أن الجيش الإسرائيلي أصبح مُدْرِكًا بأنّ الحرب في قطاع غزة ستكون طويلة ومختلفة عن كلّ الحروب التي خاضتها سابقًا، وبالتالي تراجع مؤقتًا عن قراره بمتابعة القتال دون توقّف، ورفضه التفاوض مع حركة “حماس”؛ لتحييد الرأي العام الذي سينعكس على السلطة السياسية بقيادة “نتنياهو” وحكومته اليمينية، وبذلك فإنّ تحرير الرهائن وإدخال المساعدات الإنسانية والطبّية إلى داخل القطاع؛ سيجلب نتائج إعلامية عالمية إيجابية؛ لاستكمال الأعمال الهجومية، التي ستكون مدمّرة وعنيفة من دون احتجاجات داخلية ودولية، لكن في المقابل، فإنّ المقاومة التي تستفيد من الهدنة عسكريًّا أكثر منه إنسانيًّا، ستواجه القوات الإسرائيلية بخطط دفاعية؛ تكبّده خسائر عالية بالعديد والعتاد، وتُفقده السرعة المَرْجُوَّة بالقضاء الكامل عليها.
  • من المتوقع، أن نشهد انقسامًا أوسع داخل المؤسسة السياسية، خاصة بين “نتنياهو” وأصدقائه من تيارات أقصى اليمين، الرافضين لأي هدنة في قطاع غزة.

وفيما يتعلق بأطراف الوساطة، يوجد دلالات هامة يجب التنويه إليها:

  • منذ بداية الحرب على غزة، كان هناك اجتماعات ولقاءات عديدة على مستوى مختلف من القادة السياسيين، سواء على مستوى الإقليم أو حتى الدولي، ومحاولات حثيثة لدى دول مختلفة؛ للمساهمة في وقف إطلاق النار، ولكن يبدو أن تلك المحاولات لم تُؤْتِ ثمارها؛ إما نتيجةً لتضارُب المصالح، وتباين في وجهات النظر من ناحيتهم، وبين أطراف الصراع من الناحية الأخرى، أو نتيجةً لعوامل أخرى، متعلقة بمدى أولوية القضية الفلسطينية بالنسبة لديهم.
  • اتفاق الهدنة بين “حماس” وإسرائيل، الذي تم بواسطة “قطرية، ومصرية” هو نتيجة لجهود حثيثة ومستمرة مُقدَّرة من دور مصري محوري ودور قطري متعاون، باعتبار أن مصر – تاريخيًّا – كان لها دور يتعلق بالأوضاع الإنسانية، وتحقيق التهدئة، والوصول لاتفاق الوساطة؛ للإفراج عن الرهائن.
  • القيادة المصرية دائمًا لديها الاستعداد للتعاون مع أي طرف عربي، يستطيع أن يُقدِّمَ أيَّ إضافة، تساهم في حل مشكلات المنطقة، وقطر لها دور، كما أنّ الفصائل الفلسطينية لديها اطمئنان كبير للدور المصري، وتثق أنّه دور مُنزَّه عن أي مصالح خاصة؛ إذ إنّ القاهرة تركز دائمًا على مصلحة الشعب الفلسطيني.
  • قطر هي الأخرى تلعب دورًا في إدخال الأموال إلى القطاع، وبالتالي هناك إمكانية للتعاون مع مصر كبيرة، وتسعى البلدان التي تريد تطوير الاتفاق؛ ليكون بدايةً لاتفاق شاملٍ لوقف إطلاق النار وبشكلٍ دائمٍ.
  • أن التعاون بين “القاهرة، والدوحة” وما أثمر عنه في غزة، قد يفتح الطريق أمام مزيدٍ من التعاون في حلِّ كثيرٍ من الأزمات التي تضرب عدة دول بمنطقة الشرق الأوسط.

ختامًا:

ستؤدّي هذه الهدنة بشكلٍ غير مباشرٍ إلى إطالة أَمَدِ الحرب، التي لا تصُبُّ في مصلحة إسرائيل؛ لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية؛ إذ إنّ عدد المحرّرين الإسرائيليين، لن يُسكت الشعب الإسرائيلي، الذي سيُطالب بالإفراج عن المزيد؛ ما يُجبر السلطة على عقْد صفقات أخرى، أو إدامة الهدنة الحالية، وبالتالي إعطاء حركة “حماس” فرصًا عدّة؛ لإعادة التموْضُع وتطوير الخطط القتالية، والتمركز دفاعيًّا بشكل أصلب من السابق، فالزَّخَم الهجومي الذي أحرزته القوات الإسرائيلية قبل الهدنة لن يُستكمل بعدها، فحركة “حماس” ستستفيد من الدروس التي تلقّتها منذ انطلاق الهجوم البري الإسرائيلي؛ لتجنّب الضربات المؤلمة السابقة، و(استراحة المحارب) لمدّة 4 أيام ضرورية؛ لإعادة ترتيب الإمكانيات الدفاعية؛ لمعرفة نسبة جهوزيّتها، وتقدير موقفها القتالي.

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع