بين تعدُّد الأهداف وتعقُّد الدوافع: كيف تسابقت القُوَى الدولية الكبرى نحو عقْد صفقات الأسلحة مع الدول الأفريقية؟

إعداد: عنان عبد الناصر

باحثة متخصصة في الشؤون الأفريقية

تزْخَرُ القارة الأفريقية بمخزونٍ استراتيجيٍّ هائلٍ من الثروات والموارد الطبيعية الهائلة؛ التي جعلتها ساحةً للتنافُس الدولي بين القوى الكبرى؛ حيث تسابقت هذه القوى نحو إيجاد موْطِئ قدمٍ لها داخل القارة الأفريقية؛ من أجل تحقيق دوافعها وأهدافها، فذلك الفضاء الواسع تحوَّل إلى حلبة صراعٍ بيْن القوى الكبرى؛ لضمان تمركُز مؤسساتها وقواعدها، وكانت صفقات الأسلحة أحد دوافع هذه القوى في تنافُسها على أفريقيا؛ حيث اتجهت الكثير من الدول نحو تعزيز حضورها داخل القارة الأفريقية، عبْر عقْد صفقات الأسلحة مع عدة دول أفريقية؛ ما جعلها تدخل دائرة التنافُس الدولي الذي يستهدف الموارد الأفريقية، ويسعى إلى تحقيق مصالحه وأهدافه، فضلًا عن تنافُس القُوَى الكبرى أيضًا؛ لتحقيق أكبر قدْرٍ من النفوذ داخل القارة السمراء.

نظرة عامَّة حول سوق السلاح داخل أفريقيا

 بالرغم من كثْرة الحروب والنزاعات بداخلها، لا تُعدُّ القارة الأفريقية أكبر الأسواق المستوردة للسلاح في العالم، فقد مثَّلت نسبة مشتريات القارة من الأسلحة ما يقرب من 7.3 من حجم المبيعات في العالم، وذلك خلال أعوام (2016: 2020)، وبذلك فهي شهدت تراجُعًا بنسبة 13% عما كانت عليه بين أعوام
(2011: 2015)، وتبلغ نسبة استيراد الأسلحة في دول جنوب الصحراء ما يقرب من 26% من المجموع الأفريقي، وقد وصلت إلى 41% بين أعوام 2011 : 2015، وتأتي دولة جنوب أفريقيا في مقدمة الدول في اقتناء الأسلحة، وقد برزت مجموعةٌ من الدول التي تفاقمت عملياتها في استيراد السلاح، مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، مثل (مالي، وبوركينا فاسو، وتشاد، ونيجيريا، وأوغندا، وموريتانيا)[1].

ووفقًا للترتيب الدولي، نجد أن الدول المُصدِّرة للسلاح إلى جنوب الصحراء، هي روسيا؛ حيث توفر حوالي 30% من حجم الأسلحة الموردة لهذه المنطقة، ثم الصين توفر ما يقرب من 20% من الأسلحة، وفرنسا تقدر نسبتها بـ 9.5%، وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الرابعة بنسبة تبلغ 5.4% من إجمالي السلاح المُبَاع لدول المنطقة.

أهداف القُوَى الكُبْرى من عقْد صفقات الأسلحة مع الدول الأفريقية

تهدف القُوَى الكبرى إلى توطيد العلاقات الاقتصادية مع الدول الأفريقية؛ ما يسمح بالحصول على استثمارات وعقود في مجالات البُنَى التحتية، بجانب القطاعات الحيوية، وقد اعتبرت روسيا أن صفقات الأسلحة مع الدول الأفريقية، بمثابة مدخلٍ لنقل تكنولوجيا الطاقة النووية إلى دول المنطقة، في إطار استعادة النفوذ الروسي داخل القارة؛ ما تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية تهديدًا لمصالحها؛ حيث ترى الولايات المتحدة الأمريكية، أن السياسات الروسية تؤدي إلى تغذية الصراعات بشكلٍ يُهدِّدُ أمْن الطاقة وأمْن الممرَّات المائية، بجانب أن سياسات التسلُّح الروسية لها الكثير من التداعيات؛ ما يجعل الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز تواجُدها العسكري داخل القارة السمراء.

تتسم الدوافع المسيطرة على عمليات التسلُّح داخل أفريقيا بدرجةٍ من التعقيد الشديد؛ إذ إنها تتضمن كافَّة أشكال الدوافع التسليحية المتصورة؛ فالأهداف الدفاعية لعمليات التسليح قائمة بدرجاتٍ مختلفةٍ، فضلًا عن سيطرة الأفكار الردعية على التوجُّهات التسليحية الخاصة بالكثير من الدول، والأخطر أن بعض الأسلحة تكاد تكون هجومية.

صفقات الأسلحة الرُّوسية مع الدول الأفريقية

تمكَّنت روسيا من أن تصبح بائعًا رائدًا للأسلحة في أفريقيا جنوب الصحراء، وذلك وفقًا للتقديرات المنشورة من قِبَلِ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)؛ حيث ارتفعت حصتها السُّوقية من 21% إلى 26%، ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي؛ فمعركة النفوذ داخل أفريقيا نشطت فيها روسيا بصفة رئيسية، خلال السنوات الأخيرة، فكانت الأسلحة منتجًا تصديريًّا رئيسيًّا خلال القمة “الروسية – الأفريقية” الأولى في عام 2019، وقد زادت صادرات روسيا من الأسلحة إلى أفريقيا بنسبة 200%، وخاصَّةً صادرتها إلى مالي [2].

وقد أعلنت الشركة الروسية لتصدير الأسلحة (روس أوبرون أكسبورت)، أنه تمَّ توقيع صفقات مع عدة دول أفريقية، بلغت قيمتها 4.5 مليار دولار خلال عام 2023م، وهناك خطط لعقْد صفقاتٍ جديدةٍ، وقد أعربت الشركة الروسية، عن أن الأفارقة يُعتبرون من أهم الشركاء بالنسبة لروسيا، ومن هذا المنطلق، ستواصل روسيا بحْث سُبل تطوير التعاون مع الدول الأفريقية، في إطار اتجاهات التعاون التي تمَّ تحديدها خلال القمة “الروسية – الأفريقية”، التي انعقدت في يوليو 2023.

صفقات الأسلحة الصينية داخل أفريقيا

أظهرت صفقات الأسلحة “الصينية – الأفريقية” تعزيز أكبر للحضور الصيني في القارة الأفريقية، وقد أشارت بعض التقديرات إلى أن هناك ما يقرب من 70% من أصل 54 دولة أفريقية، تمتلك مركبات عسكرية صينية، فضلًا عن وجود حوالي 20% من المركبات العسكرية داخل أفريقيا مستوردة من الصين، وأوضحت بعض التقارير، أن هناك زيادةً حادَّةً في مبيعات المُعدّات العسكرية الصينية إلى الدول الأفريقية خلال العقْديْن الماضييْن، وذلك مقارنةً بالصفقات الروسية؛ نظرًا لأن روسيا تُعتبر البائع التقليدي للقارة.

ويأتي في مقدمة الدول المستوردة للمعدات العسكرية الصينية، (نيجيريا، والكاميرون، والسودان، وتنزانيا، وزيمبابوي، وزامبيا، وغانا، وإثيوبيا، وناميبيا)، فهناك ما يقرب من 50% من المخزون العسكري داخل تنزانيا من أصل صيني، ومن الواضح أن صفقات الأسلحة الصينية لها تأثيرٌ كبيرٌ على الدول الأفريقية، وبالتالي تتمكَّن الصين من تحقيق أهدافها وتعزيز حضورها داخل القارة[3].

صفقات الأسلحة الأمريكية في أفريقيا

اتجهت الإدارة الأمريكية في إطار تنافسها مع الصين نحو إخراج قدرات عسكرية مثل (المقاتلات النفاثة، وأنظمة الدفاع الجوي) من منطقة الشرق الأوسط؛ حتى تقوم بإعادة تموْضعهم في “آسيا، وأفريقيا”، وقد شكَّلت مبيعات الأسلحة الأمريكية حوالي 5% فقط من إجمالي الصادرات للقارة الأفريقية، بإجمالي 476 مليون دولار، وذلك وفقًا للتقارير الصادرة من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

المشهد المستقبلي لتنافُس القُوَى الكُبْرى حول عقْد صفقات الأسلحة مع الدول الأفريقية

إن المشهد المستقبلي لصراع القُوَى الكُبْرى على النفوذ في أفريقيا، يشير إلى أن المنافسة بين (الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا) أصبحت أكثر وضوحًا مما كانت عليه قبْل ذلك؛ فبالنسبة للصين فإن المنافسة اقتصادية مُوجَّهة نحو التجارة، وبالنسبة لروسيا والولايات المتحدة، فإن المنافسة جيوسياسية وأمنية، بالإضافة إلى تعاظُم النفوذ الرُّوسي داخل القارة، وخاصَّةً تنامي دورها في مجال الإنفاق المُكثَّف على القواعد العملياتية وخطط الحفاظ على حضورها الاستراتيجي داخل القارة على المدى الطويل، وفي هذا الصدد، تتجه روسيا نحو إنشاء (الفيلق الأفريقي) ليحل محل قوات “فاجنر”، خاصَّةً في ظل النزاعات والصراعات المنتشرة داخل الكثير من دول القارة الأفريقية، ومن هذا المنطلق، تتكالب القُوَى الكُبْرى لتعزيز حضورها داخل أفريقيا، دون أدنى مسؤولية عن نهوض تلك الدول من أزماتها وصراعاتها الداخلية.

ويتضح أيضًا أن اعتماد الدول الأفريقية على التسلُّح الروسي يُعرِّض أنظمتها الدفاعية للخطر، خاصَّةً في أعقاب الحرب “الروسية – الأوكرانية”، فقد أصبح هناك صعوبة في إصلاح وصيانة المعدات العسكرية الروسية، بجانب صعوبة التواصل مع الخبراء العسكريين الرُّوس، خاصَّةً وأن ذلك كفيل باحتمالات التعرُّض لفرْض عقوبات غربية.

ختامًا:

أصبحت أفريقيا جُزْءًا مهمًا في إدارة النظام الدولي، وتُعدُّ بمثابة شريكٍ رئيسيٍّ للقُوَى الدولية في الكثير من القضايا المهمة، وعلى الجانب الآخر، لا تزال القوى الكبرى تسعى إلى التقارُب مع دول القارة الأفريقية، وخاصَّةً التعاون في مجال الأسلحة، بالإضافة إلى محاولات استقطاب مزيدٍ من الدول لمعسكرٍ دون الآخر، فقد أدركت القوى الدولية، أن أفريقيا سوف تساهم في تشكيل مستقبل العالم، وفي هذا الصدد، فهناك اتجاهات لتشكيل ذلك المستقبل، من خلال التحالُفات الدولية بين الدول الأفريقية والقُوَى الكبرى، على الجانب الآخر؛ نظرًا لاعتبار (روسيا، والصين) أقوى منافسِي الولايات المتحدة الأمريكية؛ فيزداد قلق الولايات المتحدة بشأن التفوُّق العسكري الصيني، الذي قد يُنهي الهيمنة العسكرية الأمريكية.

المصادر:

[1] Brian Sabbe, Africa and The Arms Trade, 2022, IPIS, 2022, available at link:

Https://2u.Pw/Ltksphk

[2] Russia Emerges as Top Weapons Supplier to Sub-Saharan Africa, 2023, Available at Link: Https://2u.Pw/Tuvivzp

[3] Pieter D. Wezeman, Trends in International Arms Transfers, 2022, STOCKHOLM INTERNATIONAL PEACE RESEARCH INSTITUTE, 2023, available at link:

 Https://2u.Pw/f8ugmdz

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع