إعداد: مصطفى مقلد

فى 18 فبراير، تعرضت سفينة الشحن “روبيمار” لهجوم من قبل مليشيات الحوثيين فى البحر الأحمر، ما أدى إلى أضرار جسيمة للسفينة وتسرب نفطى تسبب فى بقعة نفط بطول 18 ميلًا، وزاد الأمر تعقيدًا أن السفينة كانت تحمل أكثر من 22 ألف طن مترى من الأسمدة عندما تعرضت للهجوم بالقرب من مضيق باب المندب، وعلى بُعد نحو 11 ميلًا من أقرب نقطة بر فى اليمن، وفق معلومات القيادة المركزية الأمريكية.

ويستهدف الحوثيين السفن فى المنطقة لإظهار الدعم لفلسطين وسط الصراع (الفلسطينى – الإسرائيلى) الحالى فى غزة، لكن تحولت معه الأمور إلى أزمة فى البحر الأحمر ومصدر قلق ملح إلى حد كبير بسبب تعطيلها للتجارة العالمية، بالمقابل يشن تحالف من السفن والطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية ضربات ضد المستودعات العسكرية ومواقع الإطلاق التابعة للجماعة المدعومة من إيران فى محاولة لمنع المزيد من التعطيل للممر المائى الحيوى تجاريًا، فقد علقت أكثر من 12 شركة شحن، أنشطتها فى البحر الأحمر، واختارت بدلًا من ذلك تغيير مسار رحلاتها حول رأس الرجاء الصالح فى جنوب إفريقيا.

لكن ذلك يحمل تأثيرات بيئية خطيرة، خاصة أن النظام البيئى للشعاب المرجانية فى البحر الأحمر يوفر الأمن الغذائى وسبل العيش لملايين من سكان المناطق الساحلية، ومن شأن انسكابات النفط فى هذه المياه أن تتسبب فى أضرار جسيمة، وتلويث النظم البيئية البحرية، وتدمير الشعاب المرجانية الحيوية، والإضرار بمجموعات الأسماك هناك، وستكون جهود التنظيف مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا فى منطقة تفتقر إلى قدرات السلامة البحرية.

ويتزامن ذلك مع الصراع الدائر فى أوكرانيا الذى أدى إلى تحولات كبيرة فى تجارة النفط والحبوب، مما أدى إلى إعادة تشكيل أنماط التجارة الراسخة، ومن ناحية أخرى، تعانى قناة بنما، وهى شريان رئيسى آخر للتجارة العالمية، من الجفاف الشديد الذى أدى إلى تناقص مستويات المياه، مما أدى إلى انخفاض مذهل فى إجمالى عمليات العبور، وتؤثر الآثار طويلة الأجل لتغير المناخ على قدرة القناة مخاوف بشأن التأثيرات الدائمة على سلاسل التوريد العالمية، ومن ناحية أخرى، تدفع تلك التغيرات للتأثير سلبًا على الأهداف المناخية لصناعة الشحن.

وبالتركيز على الأوضاع فى البحر الأحمر، فقد صرحت السفارة البريطانية لدى اليمن بأنه: “على الرغم من الجهود الدولية لعدة سنوات لتجنب حدوث أزمة سفينة صافر، يهدد الحوثيون بكارثة أخرى بالهجوم المتهور على السفينة روبيمار”.

وكانت قد ارتفعت حدة المخاوف سابقًا عند التعامل مع خزان صافر، فكان الفشل يعنى تسرب نفطى كبير ما يسبب تكلفة تنظيف بحوالى 20 مليار دولار على أن يستغرق الأمر 25 عامًا لتعافى الثروة السمكية، وإغلاق الموانئ القريبة والتى تعتبر ضرورية لجلب المواد الغذائية والوقود والإمدادات الحيوية إلى اليمن الذى يحتاج فيه 17 مليون فرد إلى المساعدة الغذائية، وتدمير الشعاب المرجانية على الساحل اليمنى، وتتأثر السياحة حول البحر الأحمر، لذا لا يريد العالم أن يعيش ذلك الكابوس مجددًا من خلال استهداف الحوثيين لناقلات النفط.

من ناحية أخرى، تُظهر تحليلات متخصصة لحركة الشحن أنه مقابل كل سفينة حاويات يتم تحويل مسارها حول رأس الرجاء الصالح، يتم إطلاق المزيد من ثانى أكسيد الكربون ما يعنى تفاقم أزمة المناخ، فعلى سبيل المثال، تضيف سفينة تسافر من جنوب الصين إلى هولندا أكثر من 3000 ميل بحرى إلى رحلتها عندما تغير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، مما يزيد من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون بنحو 14000 طن مترى، وفقًا لرويترز للطاقة، كما أن السفن تسير بشكل أسرع أيضًا لحساب الوقت الضائع خلال الرحلة الأطول، مما يزيد أيضًا من الانبعاثات.

يعنى ذلك أن زيادة الانبعاثات بسبب عمليات التحويل تهدد بتقويض هدف المنظمة البحرية الدولية المتمثل فى تقليل انبعاثات صناعة الشحن بنسبة 20% بحلول عام 2030، مع هدف الوصول إلى صافى الصفر بحلول عام 2050، ويعنى أيضًا زيادة التكاليف الأكبر التى تتكبدها شركات الشحن المسافرة إلى أوروبا بشكل أكبر من خلال نظام تداول الانبعاثات (ETS) التابع للاتحاد الأوروبى، والذى يواجه اعتبارًا من 1 يناير 2024، الانبعاثات البحرية للسفن التى تصل إلى موانئ الاتحاد الأوروبى.

فبموجب قواعد الاتحاد الأوروبى الجديدة لمقايضة الانبعاثات، تدفع الشركات ثمن انبعاثات ثانى أكسيد الكربون الخاصة بها على أساس المسافة المقطوعة بين آخر ميناء توقفت فيه خارج الاتحاد الأوروبى (باستثناء المملكة المتحدة وطنجة وبورسعيد) وأول وصول لأحد موانئ الاتحاد الأوروبى، ومن المقرر أن يطبق نظام “مقايضة الانبعاثات التابع للاتحاد الأوروبى” تكلفة الكربون بشكل تدريجى على السفن الكبيرة التى تصل إلى موانئ الاتحاد الأوروبى وتغادرها، مما يغطى 40٪ من الانبعاثات هذا العام ويصل إلى 100٪ بحلول عام 2026.

فى سياق موازٍ، أطلق الأوروبيون فى 19 فبراير مهمة جديدة فى البحر الأحمر تقتصر على حماية السفن المدنية فى البحر الأحمر، على أن يتمّ تجنب تنفيذ أى هجمات “على الأراضى اليمنية” بل ستنسق مع الحكومة اليمنية فى عدن، غير أنها قد تصبح هدفًا جديدًا لضربات الحوثيين، وفى نفس الأثناء تحاول دول إقليمية متضررة مثل مصر الضغط على إيران لكبح هجمات الحوثيين، فقد جاء ذلك خلال لقاء وزيرى خارجية الدولتين على هامش اجتماعات مجلس حقوق الإنسان فى جنيف، لكن لا يبدو أن هناك مخرجًا قريبًاش من هذا النفق، حيث قد انزلقت تلك المواجهات بالفعل للحسابات الجيوسياسية، ففى المؤتمر الصحافى الذى جمع رئيس الوزراء اليمنى مع وزير الخارجية الروسى، قال الأخير إن العملية الأمريكية البريطانية فى اليمن تسببت فى زيادة حدة الصراع، وأن الحل هو تقديم الدعم للحكومة الشرعية لإعادة بناء الدولة، وهو ما يشير أيضًا إلى أن جهود بناء الثقة داخليًا قد تراجعت.

ختامًا:

تسير المواجهات بين الحوثيين وتحالف حارس الازدهار نحو مزيد من التصعيد، وهو ما يعنى أنه لا توجد خطوط حمراء فى تلك المواجهة، فالتكلفة الاقتصادية والبيئية المترتبة على الضربات العسكرية، أو التكلفة السياسية والاقتصادية فيما يخص الداخل اليمنى والتفاعل الدولى مع سياقاتها ومآلاتها، كما يبدو أنها لا تزال غير كافية لكبح الحوثيين عن الاستمرار فى ضرباتهم أو إثناء الولايات المتحدة وبريطانيا عن إستراتيجية التعامل الخشن فى ذلك الملف.