إعداد: آية أشرف 

مقدمة

تشهد البيئة الدولية – في الآونة الأخيرة – العديدَ من التغيُّرات المحورية في بِنْية النَّسَق الدولي، كان لها تأثيرٌ جِذْري على الهيكل التقليدي، الذي تأسَّست بناءً عليه طبيعة التفاعلات في هذا النَّسَق، كما عملت على إعادة تنظيم شكْل التفاعُل الدولي، وتحديد الأطراف المعنية في إطار هذا التفاعل، ولعل أبرز تداعيات هذه التغيُّرات، هي تلك المتمثلة في عدم احتكار عناصر القوة المادية والقدرة العسكرية في يد الفاعل الدولي الأساسي في العلاقات الدولية وهو “الدولة”، بل ظهر العديد من الفواعل الأُخرى من غير الدول قادرة على امتلاك هذه القوة، والعمل على تهديد أمن وسيادة الدول من خلالها، فضلًا عن قدرة هذه الفواعل في إحداث تحوُّلات جوهرية في العديد من الصراعات على مستوى العالم، وهو ما ظهر جليًّا من خلال الدور الحاسم الذي تلعبه جماعة “أنصار الله” الحوثية في صراعات الشرق الأوسط؛ الأمر الذي تطلب ضرورة البحث في ماهيه هذا النوع من الفواعل ومُحفِّزات تنامي الدور الذي تقوم به في منطقة الشرق الأوسط، ومدى تفاعله من معطيات السياق الإقليمي الذي يُمارس في إطاره، وبناءً عليه فإن هذا المقال يحاول تحليل الإشكاليات التي يثيرها هذا الدور، والتي تمثل أبرزها في تداعيات الدور الحوثي على الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يمكن تعريف الفواعل من غير الدول على أنها مجموعة الهياكل والتنظيمات الفاعلة في السياسة الدولية، والتي تختلف في شكلها وتنظيمها السياسي ومصادر تمويلها ومواردها وقدراتها وتمثيلها عن الدول القومية، وتُعدُّ الجماعات المسلحة من أبرز هذه الفواعل، خاصَّةً في ظل امتلاكها قدرات عسكرية هائلة، تقوم بتوظيفها – بشكلٍ مستمرٍ – بما يحقق مصالحها؛ الأمر الذي جعلها تفرض نفسها على المجتمع الدولي كواحدةٍ من أهم الفواعل التي لا يمكن التجاوُز أو التغافُل عن الدور الذي تؤديه في إطار السياسة الدولية، وتعتبر منطقة الشرق الأوسط من أبرز المناطق التي تشهد نشاطًا ملحوظًا لهذه الجماعات، في ظل كونها بيئةً خصبةً تتوافر فيها كافَّة مُحفِّزات نمو الدور المحوري الذي تؤديه هذه الجماعات، وعليه فهي من أكثر المناطق التي عانت – بشكلٍ كبيرٍ – من الانعكاسات المحورية لهذا الدور، الذي هدَّد وما زال يهدد الأمن الإقليمي للمنطقة وسيادة وبقاء دولها.([1])

وقد ظهرت العديد من الجماعات المسلحة التي استغلت الوضع الأمني المضطرب في منطقة الشرق الأوسط، كان أبرزها جماعة “أنصار الله” الحوثية، التي صعدت على هامش الأزمة المعقَّدة، التي شهدتها الجمهورية اليمنية منذ عام 2011م، على هامش التغيُّرات الثورية التي عاصرتها أغلب دول المنطقة في هذه الفترة وفي مقدمتها اليمن، واستطاع الحوثيون في ظلِّ فوضوية الوضع السياسي والأمني في اليمن، السيطرة على مناطق جغرافية واسعة ذات أهمية استراتيجية وجيوسياسية، وإقصاء الحكومة اليمنية من السلطة في هذه المناطق، واستغلال الموارد والثروات الاقتصادية اليمنية لصالحها، كما تمكَّنت من تجنيد العديد من أبناء الشعب اليمني، وعملت على استغلال الانقسام والتخبُّط بين وحدات الجيش اليمني، واستحوذت على جزْءٍ كبيرٍ من القدرات التسليحية والبِنْية التحتية العسكرية اليمينة، وبالتالي عَّززت من قدراتها العسكرية الهجومية والدفاعية، وأصبحت تنافس بقوة الجيوش النظامية في التسليح، والقدرة على الرَّدْع وتنفيذ العمليات التقليدية وغير التقليدية في النطاق الإقليمي للمنطقة، علاوةً على ذلك، فإن أخطر ما تمكَّنت منه جماعة “أنصار الله” الحوثية هو قدرتها على إدارة علاقات خارجية مع أطراف إقليمية؛ الأمر الذي مكَّنها – بشكلٍ كبيرٍ – من تعزيز قدرتها كفاعلٍ حاسمٍ في خارطة التفاعلات في الشرق الأوسط، خاصَّةً في ظل الموقع الاستراتيجي الذي تتمركز فيه قوات الحوثيين في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، الذي يُعتبر شُرْيان التجارة الدولية وسلاسل الإمداد على مستوى العالم؛ ما جعلها من أهم مُهدِّدات الأمن الإقليمي للشرق الأوسط والأمن والسِّلْم الدولييْن.([2])

مُحفِّزات تنامي الدور الحوثي في الشرق الأوسط:

تضافر عدد من العوامل التي ساعدت في تنامي الدور الذي تمارسه جماعة “أنصار الله” الحوثية، خاصَّةً في ظلِّ المستجدات الأخيرة التي تشهدها المنطقة على هامش تطوُّر الحرب في غزة، ودخول الصراع “العربي – الإسرائيلي” إلى حِقْبةٍ جديدةٍ مختلفةٍ تمامًا عمَّا كانت عليه قبْل السابع من أكتوبر وعملية “طوفان الأقصى”.

الأزمات السياسية والأمنية في المنطقة:

تُعدُّ الأزمات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط من أهم العوامل التي ساهمت في تصاعُد نفوذ “جماعة الحوثي” في المنطقة، فنجد أن الوضع الداخلي الهشّ في الجمهورية اليمنية ساهم في نشْأة وتطوُّر الدور الذي تمارسه الجماعة في السياق الإقليمي؛ فاليمن يشهد حالةً من تردِّي الأوضاع الاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية؛ التي أدَّت – بطبيعة الحال – إلى حراكٍ اجتماعيٍّ، يسعى إلى التغيير للأفضل في عام 2011م، إلا أن ما حدث بالفعل في ذلك الحين كان مأساويًّا للغاية، فقد أصبح اليمن يشهد حالةً أشدَّ سُوءًا من قبل أحداث 2011م، خاصَّةً في ظل الانهيار الكامل لكافَّةِ مؤسسات الجمهورية اليمنية، وفقْدها السيطرة على موارد ومقدَّرات الدولة ومناطق الثقل والنفوذ في الداخل اليمني، تزامن ذلك مع حالة التفكُّك والانقسام في الجبهة الداخلية اليمنية، بناءً على معايير عِرْقية ومَذْهبية؛ الأمر الذي رأى فيه أنصار “جماعة الحوثي” الفرصة المناسبة لملْءِ هذا الفراغ السياسي، واستغلال الوضع الأمني لتقوية نفوذهم على حساب السيادة اليمنية والأمن والاستقرار الإقليمي. ([3])

علاوةً على الأزمة اليمنية، فإن الشرق الأوسط يشهد العديد من الأزمات الأخرى ذات البُعْد السياسي والأمني، التي كان لها دور فعَّال في تعقيد الوضع الأمني في المنطقة، وأدَّت إلى خلْق واقعٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ واجتماعيٍّ وإنسانيٍّ مُتأزِّم؛ إذ فقدت العديد من المؤسسات السياسة والأجهزة الأمنية القدرة على فرْض سيطرتها وسيادتها داخل حدود إقليمها الجغرافي؛ الأمر الذي كان له ارتدادات عكسية إلى حدٍّ كبيرٍ على مستوى الاستقرار والأمن الإقليمي، وعمل على خلْق بيئةٍ ملائمةٍ لزيادة النفوذ الحوثي في واحدةٍ من أخطر المناطق في الشرق الأوسط والعالم وأكثرها اختناقًا.

الطموح بالسيطرة الإقليمية:

تسعى العديد من القوى الإقليمية في المنطقة إلى تغيير خارطة التحالُفات والتوازنات في المنطقة من خلال خطواتٍ ومساعٍ فردية تعمل على فرْض النفوذ والسيطرة في المنطقة، دون الاعتبار للقوى الإقليمية الأخرى؛ ما أدَّى بشكلٍ كبيرٍ إلى زعزعة الوضع الأمني في المنطقة، وتحفيز عوامل التصعيد بين القوى الإقليمية المختلفة بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، وعليه فقد قامت بعض هذه القوى إلى عقْد تحالُفات مع الجماعات المسلحة التي تصاعد دورها على هامش الوضع الأمني المتشابك في المنطقة، وتمثل أبرز هذه التحالُفات في التحالُف “الإيراني – الحوثي”، فإيران تُعدُّ من أبرز قوى المنطقة التي تعمل – بشكلٍ مستمرٍ في الآونة الأخيرة – على تغيير الوضع القائم للتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، وتسعى إلى إعادة توزيع القوة الإقليمية بما يُعزِّزُ مصالحها ومكانتها في النَّسَق الإقليمي؛ بناءً عليه فهي تعمل – بشكلٍ كبيرٍ – على توظيف كافَّة أدواتها وقوتها – بشكل مباشر وغير مباشر – لتحقيق هذا النفوذ بالقوة، وسياسية فرْض الأمر الواقع في المنطقة، وقد وجدت في جماعة “أنصار الله” الحوثية وسيلة ضغط مناسبة وحاسمة لتحقيق أجندتها في المنطقة.

وعليه تمَّ مواجهة هذا التمدُّد الإيراني بسياسة احترازية ووسائل للرَّدْع من قِبَلِ القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة بتحالف مع القوى الدولية المعنية، وبناءً عليه خاضت إيران ضد هذه القوى حربًا بالوكالة من خلال جماعة الحوثيين، وهو أمر تميَّزت به السياسة الخارجية الإيرانية، التي تُعدُّ صاحبة التجارب البارزة في عقْد تحالفات مع هذا النوع من الفواعل من غير الدول، وقد ظهر ذلك من خلال شبكة تحالُفاتها القوية وعلاقاتها الوثيقة بـ “حزب الله اللبناني، وحركة حماس، وقوات الحشد الشعبي في العراق، والميليشيات الشيعية في سوريا”، وفي إطار هذا التنافس الإقليمي، قامت إيران بتوفير الدعم السياسي والعسكري والمادي والمعلوماتي والاستخباراتي والإعلامي واللوجستي للحوثيين، وعملت على تزويد عناصر الجماعة بأحدث تقنيات التسليح التي توصَّلت إليها منظومة التسليح الإيرانية، خاصَّةً الصواريخ البالستية والمسيَّرات والمتفجرات، فضلًا عن العمل على رفْع القدرات الدفاعية للجماعة، وتعزيز قدرتها في توظيف التكنولوجيا الحديثة؛ لتطوير قدراتها العسكرية والاستخباراتية واللوجستية؛ لتعزيز نفوذها في اليمن والبحر الأحمر، خاصَّةً في باب المندب.

الحشد الدولي والإقليمي:

في إطار التهديد الذي يقوم به الحوثيون على السواحل اليمنية، عملت القوى الدولية والإقليمية على حشْد كافَّة مصادر قوتها لمكافحة هذا التهديد، وجاء ذلك من خلال التحالفات البحرية والعمليات والمهام العسكرية التي تنفذها هذه القوى في المنطقة؛ بهدف فرْض السيطرة على نشاط الحوثي في المنطقة، كان آخرها عملية حارس الازدهار التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركةٍ دوليةٍ؛ بهدف حماية التجارة الدولية من التهديد “الحوثي، والإيراني”، والعمليات التي نفَّذتها القوات الأمريكية والبريطانية في عددٍ من المدن اليمنية؛ بهدف تصفية القيادات الحوثية، والسيطرة على مراكز عملياتها.

إلا أن الواقع أثبت – بشكلٍ كبيرٍ- فشل هذه الآليات؛ حيث إنها أدَّت إلى تفاقُم الوضع الأمني في المنطقة وزيادة عسكرة المنطقة، سواء من قِبَلِ القوى الدولية أو الإقليمية التي عملت على زيادة إنفاقها العسكري، وقدرتها التسليحية؛ للسيطرة على الدور المتنامي للجماعات المسلحة من أمثال “جماعة الحوثي” وغيرها، التي تنتشر في المنطقة، فضلًا عن أن هذه الآليات لم تكن كافية لردع التحرُّكات الحوثية، بل تمَّ مواجهاتها بعمليات أكثر حِدَّة؛ الأمر الذي أدَّى إلى اضطرابٍ شديدٍ في منظومة الأمن البحري، للحدِّ الذي قد يؤدي فيه أيُّ تحرُّك غير محسوبٍ إلى اندلاع حرب، ومواجهة مباشرة بين القوى الإقليمية والدولية ذات التواجُد العسكري الواسع في المنطقة؛ ما يؤدي إلى مزيدٍ من التعقيد على المستوى الاقتصادي والإنساني والاجتماعي، ويقود إلى مزيدٍ من الهشاشة السياسية والأمنية؛ الأمر الذي سيفرض تحديات أكثر خطورة على مستوى الأمن الإقليمي والعالمي.

وبناءً على ما سبق، فإن جماعة “أنصار الله” الحوثية تمتلك كافَّة أشكال القوة، سواء فيما يتعلق بالقدرات المادية أو القدرات التسليحية للهجوم والرَّدع التي تستطيع من خلالها ممارسة دورٍ فعَّالٍ في المنطقة؛ وبناءً عليه فهي لم تتردد – بأيِّ شكلٍ من الأشكال – في العمل على ممارسة هذا الدور الذي تفاقم في الآونة الأخير على هامش الحرب العدوانية التي شنَّها جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة؛ ردًّا على عمليات “طوفان الأقصى” التي نفَّذتها المقاومة الفلسطينية، متمثلةً في “كتائب عز الدين القسام” الذراع العسكري لـ”حركة حماس”، وقد عملت جماعة “أنصار الله” الحوثية على استغلال وتوظيف هذه الحرب، وتوسيع نطاقها بما يخدم الصالح الإيراني، وعملت على تأجيج الوضع الأمني في المنطقة، من خلال تهديد أمن وسلامة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، واستهداف السفن والموانئ البحرية؛ وذلك بذريعة مساعدة الشعب الفلسطيني، والضغط على الأطراف الإقليمية والدولية؛ للتوصُّل لحلِّ الأزمة في غزة، إلَّا أن هذا التحرُّك أدَّى إلى نتائج وتداعيات عكسية على الأمن الإقليمي للمنطقة والأمن العالمي بشكلٍ عامٍ.

تداعيات الدور الحوثي في المنطقة على الأمن الإقليمي:

يعتبر الوجود الحوثي في منطقة جنوب البحر الأحمر وبحر العرب ومنطقة الخليج العربي بشكلٍ عامٍ من أهمِّ المهدِّدات التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة، أهمية هذا التهديد لا تتوقف أو ترتبط بشكلٍ حصريٍّ بالحرب الحالية في غزة؛ فمنذ عام 2011م وحتى عام 2023م، نفَّذ الحوثيون العديد من العمليات الإرهابية التي هدَّدت أمن الملاحة البحرية في هذه المنطقة الحيوية من العالم، لعل أبرزها استهداف السفن البحرية والنقالات والمنشآت النفطية والبُنَى التحتية لعددٍ من دول الخليج العربي، خاصَّةً المملكة العربية السعودية والإمارات؛ الأمر الذي أدَّى إلى تفاقُم الوضع في شبة الجزيرة العربية؛ ما استدعى تدخُّل دول الخليج العربي في اليمن، تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي وبدعم إقليمي ودولي، من خلال “عاصفة الحزم”، في إطار سياسة الرَّدْع لهذه الهجمات الإرهابية، التي تقوم بها “جماعة الحوثي” التي تتخذ من اليمن قاعدةً مركزيةً لعملياتها في المنطقة.

كما بات ملحوظًا أن الدور المتصاعد للحوثيين في المنطقة؛ أدَّى إلى إطالة المدى الزمني للأزمة في اليمن، باعتبارها بيئةً خصبةً ومجالًا مناسبًا لممارسة هذا الدور؛ الأمر الذي يعمل على عرْقلة كافَّة الجهود “الخليجية، والعربية، والدولية” الساعية للتوصل لحلٍّ جِذْريٍّ، وتسوية سلمية بشأن الأزمة التي عصفت بالجمهورية اليمنية وأبناء الشعب اليمني، وعملت على تعقيد الوضع الإنساني في اليمن، والعمل على تهديد دول المنطقة، والضغط عليها في الملفات والقضايا ذات الاهتمام الإيراني، الذي تعمل في إطاره جماعة “أنصار الله” الحوثية.([4])

ومما لا شك فيه، أن الوضع السياسي والأمني المتأزِّم في المنطقة، كانت له انعكاسات على المستوى الاقتصادي، فقد أثَّرت هذه التحرُّكات بشكلٍ ملحوظٍ وبالغٍ على الاقتصاد والتجارة الدولية، التي حقَّقت نسبة تراجُع وصلت إلى 1.3 % في نهايات عام 2023م، فضلًا عن تداعيات ذلك على الأمن الغذائي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد على مستوى العالم، خاصَّةً في ظل نقْل القوى الإقليمي للصراع إلى الممرَّات الملاحية، التي تُعتبر أهم طُرُق وشرايين التجارة الدولية؛ الأمر الذي أدَّى إلى زيادة تكاليف النقل البحري بنسبة هائلة وصلت إلى 170 %، علاوةً على ذلك لجوء العديد من شركات الشحن إلى تغيير مسارها من باب المندب والبحر الأحمر، الذي يمثل بُؤْرة صراعٍ مشتعلةٍ إلى طريق رأس الرجاء الصالح؛ الأمر الذي سوف يعمل على زيادة أسعار السلع على مستوى العالم، فضلًا عن التداعيات الخطيرة التي تمسُّ الأمن القومي والوطني لعددٍ من دول المنطقة، ولعل أبرزها مصر، التي تتأثر – بشكٍل كبيرٍ – بهذه العمليات، التي أدَّت إلى انخفاض حركة الملاحة في قناة السويس بمعدل 30 % في مطلع يناير من عام 2024م، وتعتمد مصر على قناة السويس كواحدٍ من أهم مصادر دخلها القومي من العُمْلة الصعبة، خاصَّةً في ظل الأوضاع الاقتصادية المتأزِّمة التي تشهدها الدولة المصرية في الآونة الأخيرة.([5])

وبناءً على ما سبق، لا يمكن فهْم وتفسير الدور الذي تقوم به جماعة “أنصار الله” الحوثية في الشرق الأوسط في معزْل عن السياق الإقليمي للمنطقة، أو فصْله عن التنافس “الخليجي – الإيراني”، أو الدور الإسرائيلي الخطير في المنطقة، خاصَّةً في ظل عدم وجود ضمانات أمنية دولية أو أممية، قادرة على التعامُل بشكلٍ جديٍّ مع ملفات الشرق الأوسط، بل على النقيض كانت هذه التحديات مجالًا مناسبًا للمزيد من التدخُّلات الدولية والإقليمية، والتنافُس في المنطقة التي تحظى بثقلٍ استراتيجيٍّ واسعٍ على مستوى العالم، وتشهد تواجدًا عسكريًّا كبيرًا للعديد من القوى المختلفة ذات المصالح في الشرق الأوسط.

ختامًا:

نجد أن المتغيِّرات الدولية والإقليمية لعبت دورًا كبيرًا في تعزيز ظهور شكلٍ جديدٍ من أشكال الفواعل المسلحة من غير الدول على مستوى السياسية الدولية، والتي أصبحت بدورها تنافس الدول، بل وتتفوق عليها في بعض الحالات، خاصَّةً في ظل امتلاكها قدرات عسكرية واستخباراتية وتقنية هائلة، علاوةً على ذلك، الدَّعْم الذي تحظى به هذه الفواعل؛ إذ يتم استخدامها كأداةٍ لتحقيق السيطرة والنفوذ الإقليمي، وتعتبر “جماعة الحوثي” من أبرز الفواعل المسلحة من غير الدول التي تمارس دوْرًا محوريًّا في أزمات وملفات الشرق الأوسط، والتي وجدت من هذه الأزمات فرصةً مواتيةً لتعزيز نفوذها في المنطقة؛ الأمر الذي جعلها تفرض واقعًا أمنيًّا له أبعاد جديدة، تجاوزت الأبعاد والتهديدات التقليدية للجماعات المسلحة أو التنظيمات الإرهابية، خاصَّةً في ظل سيطرتها على أدوات ضغطٍ سياسيةٍ حاسمةٍ، علاوةً على ذلك، التأثيرات الجسيمة للنشاط الحوثي الكثيف في المنطقة على منظومة الأمن البحري في المنطقة، والتي تؤثر – بشكلٍ مباشرٍ- على سلامة التجارة الدولية والاقتصاد العالمي؛ الأمر الذي تطلَّب العمل على استحداث أدوات ردْعٍ غير تقليدية؛ للتعامل مع هذه التهديدات، بشكلٍ يتناسب مع طبيعتها وخلفيتها وجذورها، والعمل على التوصُّل لتسوياتٍ سلميةٍ بين القوى الإقليمية في المنطقة، بما يضمن تحييد مثل هذه الجماعات من الصراعات التي تشهدها دول المنطقة؛ لضمان استقرار منظومة الأمن الإقليمي في المنطقة التي تنعكس – بشكلٍ مباشرٍ – على الأمن والسِّلْم الدولييْن.

قائمة المراجع

  1. سكاي نيوز عربية، الحوثي وهجمات البحر الأحمر ..دول عربية تأثرت أكثر من إسرائيل (2024)، تم الاطلاع في 15 فبراير 2024، متوفر على: https://www.skynewsarabia.com
  2. عز الدين، نيبال جميل، أثر صعود الميليشيات على الاستقرار الإقليمي الحوثيين نموذجًا، السياسة الدولية، العدد 216، المجلد 54 (2019) ص 26: 43.
  3. عودة، جهاد عبد الملك، الشيمي، محمد عبد العظيم، الفواعل العنيفة من غير الدول: رؤية استطلاعية، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، جامعة حلوان، العدد 3، المجلد 31 (2017) ص 559:575.
  4. ناصر، نرمين، الفاعلون من دون الدول واستقرار الأمن البحري: الحوثيين نموذجًا، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية (2023)، تم الاطلاع في 15 فبراير 2024، متوفر على: https://ecss.com.eg