إعداد: هنا أشرف 

المقدمة:

تأثرت الصين بشكل كبير من العمليات التي تحدث للسفن الخاصة بها داخل البحرالأحمر و أصبحت الصين تحتاج الي نظام حماية كبير يحمي السفن الخاصة بها من الهجمات الحوثية وبالتالي سيكون هناك تكاليف باهظة من اجل تحقيق هذه الحماية وذلك لحماية مصالحها من أي اخطار في المنطقة ، ويمكن القول إن إرسال الصين للأسطول الـ٤٦ إلى منطقة البحر الأحمر يأتي في إطار المقاربة الصينية للتعامل مع التهديدات المتنامية التي تشهدها منطقة البحر الأحمر، على خلفية التصعيد الحوثي وعلى خلفية تحرك بعض الدول الغربية لتأسيس هياكل أمنية مستدامة في هذه المنطقة الاستراتيجية، الأمر الذي يشكل في حصيلته تهديدًا للمصالح الحيوية والاستراتيجية للصين، ولذلك قامت الصين بإبحار أسطول عسكري من ميناء في مدينة تشانجيانغ الساحلية بمقاطعة قوانغدونغ بجنوب الصين، لتولي مهمة مرافقة الأسطول البحري الـ٤٥ في خليج عدن والمياه الواقعة قبالة سواحل الصومال.

وعلى الرغم من أن الصين أصبحت تشكو من ارتفاع تكاليف نقل بضائعها، وزيادة التأمين على البضائع، فإنها تؤكد أن كل ما يجري في محيط البحر الأحمر هو نتيجة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وعندما تتوقف هذه الحرب سوف تتوقف بالتبعية هجمات الحوثيين على السفن، مع تأكيد بكين الدائم ضرورة احترام الأمن المشترك للبحر الأحمر، واحترام سيادة الدول المطلة عليه وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهذا يعني أن الصين ترفض ضمنياً الهجمات الأمريكية والبريطانية على الحوثيين التي بدأت منذ 12 يناير الماضي.

وتهدف هذه الورقة الي مناقشة تصاعد النفوذ الصيني في البحر الأحمر والإجابة علي بعض الأسئلة مثل كيف تنظر الصين إلى مجريات الأمور في البحر الأحمر؟ وما الذي تراه ضرورياً من أجل إنهاء هذا التصعيد الذي بدأ يفرض تأثيراته على التجارة الدولية؟

التطورات الجارية في البحر الأحمر

“الولايات المتحدة الامريكية والصين”:

استغلت الولايات المتحدة الامريكية هجمات الحوثيين في البحر الأحمر تجاه سفن الصين لتحقيق مجموعة من الأهداف التي ليس لها أي علاقه بالملاحة البحرية  ويبدو أن “عسكرة” البحر الأحمر عملية مقصودة من الولايات المتحدة؛ التي ربما وجدت في هجمات الحوثيين فرصة حتى تقطع الطريق على احتمالية زيادة الوجود العسكري الصيني حول البحر الأحمر وذلك من اجل التأثير سلبا علي خصمها الصين وذلك من خلال الهيمنة علي طرق نقل البضائع الصينية علي سبيل المثال مما يؤثر ذلك سلبا علي التجارة الصينية وذلك فان فإن ٦٠٪ من صادرات الصين من البضائع إلى أوروبا تستخدم البحر الأحمر، وبالتالي فإن السيطرة العسكرية على هذا الممر الاستراتيجي تجعل تلك التجارة تحت مراقبة الولايات المتحدة وبهدف اضعاف مبادرة الحزام والطريق وحرمان الصين من استغلال العقوبات علي روسيا وذلك لان الصين أصبحت من اكبر الدول المستفادة من النفط و الغاز الروسي الذي يمر في البحر الأحمر و لذلك تعتبر واشنطن بان بهيمنتها الكاملة علي البحر الأحمر ستعرقل مصالح الصين بشكل واضح وتضييق مساحة العمل أمام القاعدة البحرية الصينية في جيبوتي و ذلك لان هذه القاعدة تمثل ضررا علي مصالح واشنطن بشكل كبير وتعتبرها خطرا علي قواعدها المجاورة.

وعلى الرغم من أن الميزان العسكري في البحر الأحمر يميل بقوة لصالح الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، فإن الصين تملك حلين وهما المزاحمة العسكرية وذلك من خلال تعزيز وجودها العسكري في قاعدة جيبوتي لتكون قريبة من الأصول العسكرية الأمريكية؛ والمزاحمة العسكرية بمعني حماية بكين لسفنها في البحر الأحمر بكافة الوسائل مثل ارسال بكين للأسطول العسكري ٤٦ الي البحر الأحمر في ٢٤ فبراير الماضي، اما الدبلوماسية الناعمة عن طريق بناء قواعد راسخة لها خلال الأزمة الحالية في البحر الأحمر وباب المندب، وقامت هذه الدبلوماسية على مجموعة من المسارات منها تأكيد حرية الملاحة، لكن دون إدانة الحوثيين حتى تحتفظ بكين بمساحة من المناورة معهم ومع إيران، وهو ما أثمر عن عدم مهاجمة الحوثيين لأي سفينة عرفت نفسها بأنها تابعة للصين.

الموقف الصيني:

كانت الصين واضحة في بيان العلاقة بين ما يجري في غزة وما يجري في البحر الأحمر، و التأكيد على أن الهدوء في غزة سيعيد الهدوء إلى البحر الأحمر من خلال التوصل إلى وقف مبكر لإطلاق النار في غزة وتخفيف الأزمة الإنسانية على الأرض و بناء على ذلك  فإن المفتاح الرئيسي لتهدئة الأمور في البحر الأحمر هو الضغط من أجل وقف سريع لإطلاق النار، ومعالجة المسائل الإنسانية الكارثية ، وهذا الموقف الصيني يتعارض تماماً مع الموقف الأمريكي الذي ظل متمسكاً بالحيلولة دون تضمين قرارات مجلس الأمن التي تم إقرارها وفقاً لإطلاق النار.

الصين تطالب بالهدوء والهدوء في حالة البحر الأحمر يحدث من خلال هدوء الحوثيين وكذلك الأمريكيين وحلفائهم. ومن ثم كانت الصين واضحة في ضرورة توقف ما أسمته بالتحرش بالسفن التجارية من قبل الحوثيين، وفي نفس الوقت ضرورة احترام سيادة اليمن.

ولكن تتصاعد المخاوف الحقيقية على سلاسل الامداد والتجارة مع استمرار هجمات الحوثيين، ولذلك دعت الصين إلى وضع حد لمضايقة السفن المدنية في البحر الأحمر عقب هجمات للحوثيين اليمنيين على سفن تضامناً مع الفلسطينيين في غزة، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينيغ: “ندعو إلى وضع حد لمضايقة سفن مدنية من أجل الحفاظ على العبور السلس للإنتاج الدولي وسلاسل الإمداد ونظام التجارة العالمي وتعهد المسؤول الحوثي الرفيع، محمد البخيتي بمرور السفن الروسية والصينية بشكل آمن في البحر الأحمر، وشدد على أن الممر آمن ما دامت السفن غير مرتبطة بإسرائيل.

وتسعى الصين لحماية مصالحها في هذه المنطقة وفى أفريقيا، حيث ضخت عشرات المليارات من الدولارات في استثمارات في العديد من الدول الأفريقية خاصة المطلة على البحر الأحمر، فبخلاف الممرات التجارية الأخرى استثمرت الشركات الصينية أكثر من ٢٠ مليار دولار في تلك البلدان خاصة في مصر والمملكة العربية السعودية، و انفقت العديد من الأموال الباهظة أيضا من اجال ارسال الاسطول العسكري الذي ارسلته بالفعل الي البحر الأحمر لحماية مصالحها وكانت خطوة مهمة من الصين ، ويذكر أن الصين رفضت المشاركة في التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة باسم عملية “حارس الازدهار”، لكن في المقابل، ذكرت وسائل إعلام حكومية صينية إن خط الشحن الصيني يعرض مرافقة البحرية الصينية لعمليات نقل البضائع عبر البحرالأحمر، حيث تتمتع الصين بخبرة كبيرة في مثل هذه المهام، فمنذ عام ٢٠٠٩ فهي تساعد في حماية الشحن التجاري في خليج عدن من هجمات القراصنة الصوماليين علي سبيل المثال.

الصين والتوترات في البحر الاحمر:

تنظر الصين الي التوترات في البحر الاحمر بحذر وخوف شديد وذلك نظرا لمسئولياتها و اهدافها في هذه المنطقة و تاثرها بكل ما يجري فيها وذلك لانها ستؤثر بالتالي علي تجارتها , فمن المؤكد ان الامن في هذه المنطقة يهم الصين بشكل كبير واكبر دليل علي ذلك هو سفينة حاويات قناه السويس عام 2021 فعنما اغلقت السفينة لمدة ستة ايام بالقرب من البحر الاحمر قدرت وزارة التجارة الصينية بان الصين تاثرت بالسلب بسبب هذا الموقف, خوف بكين الشديد من تكلفة الصراع وذلك لانها تخشي من حدوث صراع كبير في المنطقة لانها استثمرت العديد من مليارات الدولارات في الدول المحيطة بالبحر الاحمر خاصة مصر والمملكة العربية السعودية , قلق بكين علي التجارة الصينية وذلك لان البحر الاحمر يعد طريق تجاري دولي مهم بالاضافه الي ان حوالي 60% من صادرات الصين الي اوروبا تمر عبر البحر الاحمر و اوضحت وزارة لتجارة الصينية ان لابد من تقديم المساعدات الدبلوماسية او العسكرية من اجل الحفاظ علي امن منطقة البحر الاحمرو لحل الازمة الصينية المتعلقة بخصوص السفن الصينية التي تاثرت نتيجة للتوترات التي تحدث داخل البحر الاحمر, فبالرغم من ان الحوثيين لم يهاجموا السفن الصينية بشكل مباشر و لكت تلك الاضطرابات و التوترات ادت الي ارتفاع تكاليف الشحن و تسببت في خسائر كبيرة للشركات الصينية مما اثربالسلب علي التجارة الصينية , و طالبت الصين جميع الاطراف ذات الصلة بضمان سلامة الملاحة في الممرات المائية في ظل تحذير المحللين بان هجمات الحوثيين تؤثر علي اقتصاد بكين الذي يحت المرتبة الثانية عالميا و الانهيار المحتمل للاتفاق السعودي الايراني الذي توسطت فيه الصين في مارس الماضي و تشترك بكين في التوتر الناجم عن عدم حدوث هذا الاتفاق.

الخاتمة:

يمثل تصعيد الحوثيين العسكري في البحر الاحمر ضد السفن والموانئ الاسرائيلية والضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة اختبارا حقيقيا لاسس نفوذ الصين في الشرق الاوسط و تجد الصين نفسها في مازق يخصم من قدرتها علي التاثير في مجريات الاحداث وتقليل مستوي المخاطرفي منطقة البحر الاحمر.

.