إعداد: هنا داود

باحثة في الشؤون التركية

في إطارِ سلسلةِ النّجَاحاتِ الدبلومَاسيةِ التي حققَهَا الرئيسُ التُركيُ رجب طيب أَردوغان على صعيدِ تحسينِ عَلاقاتِه الخارجيةِ، وبخاصةٍ معَ دُولِ الجِوَارِ التي شَهِدتْ توتراً خِلالَ السنواتِ الأخيرةِ، يأْتيِ الحَديثُ عنْ الزيارةِ المُرتقبةِ للرئيسِ التُركيِ إلى العراقِ قبلَ نِهايةِ شهرِ إبريلَ المقبلُ، وفقًا للبيانِ الختاميِ المشتركِ الذي صدرَ عَقِبَ اجتماعٍ رفيعِ المستوى بينَ مسؤولينَ أتراكٍ وعراقيينَ في العاصمةِ العراقيةِ بغداد، والذي انعقدَ في ١٤ مارس الحاليِ.

تأتيِ الزيارةُ التاريخيةُ لأردوغانَ بعدَ مرورِ حَواليِ ١٢ عامًا عنْ آخرِ زيارةٍ لهُ إلى العراقِ، في سياقٍ مليءٍ بالتطوراتِ المهمةِ في سياسةِ كلتَا الدولتينِ والعديدِ منَ القضايَا العالقةِ بينهمَا، ومِنَ المُتوقعِ أنْ يُؤديَ نجاحُ هذهِ الزيارةِ إلى تعزيزِ العلاقاتِ بينَ تركيَا والعراقِ بشكلٍ كبيرِ، حيثُ سيتمُ خلالَهَا مُناقشةُ العديدِ منَ القضايَا والملفاتِ المُشتركةِ بينَ البلدينِ أبرزُهَا مكافحةُ الإرهابِ وملَفيُ المياهِ والطاقةِ. فهلْ ستمثلُ هذهِ الزيارةُ المرتقبةُ حلاً لهذهِ القضايَا بشكلٍ يعززُ العلاقاتِ الثنائيةِ بينهمَا؟

القِمةُ الأَمنيةُ التركيةُ العِراقيةُ:

احتضَنتْ العَاصمةُ العِراقيةُ بغدادَ اجتماعاً ضَمَّ مِنَ الجانبِ التركيِ وزيريِ الخارجيةِ والدفاعِ، ورئيسِ جهازِ الاستخباراتِ، ونائبِ وزيرِ الداخليةِ، فيمَا ضمَّ منَ الجانبِ العراقيِ وزيريِ الخارجيةِ والدفاعِ، ووكيلِ وزارةِ الأمنِ الوطنيِ، ورئيسِ هيئةِ الحشدِ الشعبيِ، ونائبِ مديرِ وكالةِ المخابراتِ، ووزيرِ الداخليةِ في حكومةِ إقليمِ كردستانَ.

وفي هذاَ الاجتماعِ الذي يُعدُ استمراراً للمحادثاتِ التي جرتٍ في أنقرةَ يومَ 19 ديسمبر 2023، ناَقشَ الطرفانِ المواقفَ المشتركةَ التي سيتمُ تَبنِيِها في مواجهةِ التطوراتِ الإقليميةِ ومختلفِ التحدياتِ في المجالاتِ الثنائيةِ، كمَا تمتْ مناقشةُ التحضيراتِ للزيارةِ المقررةِ للرئيسِ أردوغان إلى العراقِ، وأكداَ أنهُ سيتمُ بذلُ كافةِ الجهودِ لإنجاحُ هذهِ الزيارةِ التاريخيةِ، كمَا أعرباَ عنْ أَمَلهِما أنْ توفرَ قفزةً إلى الأمامِ في العَلاقاتِ الثنائيةِ.

وتقررَ خلالَ الاجتماعِ تكثيفُ العملِ على مذكرةِ تفاهمٍ منْ أجلِ إيجادِ الإطارِ الهيكليِ في مختلفِ أوجهِ العلاقاتِ بينَ البلدينِ، وبالتاليِ إنشاءُ آلياتِ اتصالٍ منتظمةٍ، كمَا اتفَقَ الجانبانِ على العملِ بطريقةٍ منسقةٍ وعلى فتراتٍ منتظمةٍ وبنهجٍ موجهٍ نحوَ النتائجِ، إضافةً إلى إنشاءِ إطارٍ استراتيجيٍ للعَلاقاتِ منْ خلالِ مذكرةِ التفاهمِ التي سيقومانِ بإِعدادِها.

وشددَ البيانُ على الأهميةِ التي يوليهِا الطرفانِ لوحدةِ العراقِ السياسيةِ وسيادتهِ وسلامةِ أراضيهِ، كمَا أكدَ أنَّ حزبَ العمالِ الكردستانيِ (PKK) يشكلُ تهديداً أمنياً لتركيَا والعراقِ، وأنَّ وُجودَهُ على الأراضيِ العراقيةِ يشكلُ انتهاكاً للدستورِ العراقيِ، ورحبتْ تركيَا في البيانِ بالقرارِ الذي اتخذهُ مجلسُ الأمنِ القوميِ العراقيِ باعتبارِ (PKK) تنظيماً محظوراً في العراقِ، معَ تأكيدِ أنَّ الجانبينِ تشاورَا بخصوصِ الإجراءاتِ الواجبِ اتخاذُها ضدَّ التنظيماتِ وامتداداتِها التي تستهدفُ تركيَا عبرَ الأراضيِ العراقيةِ.

أبرزُ القَضَايا المتوقعُ مُنَاقشتُهَا خِلالَ الزيارةِ المُرتقبةِ:

سَاهَمتْ تَحرُكاتُ المسؤولينَ الأتراكِ وزِياراتِهم المُتتَاليةِ إلى العراقِ في إِحداثِ حركةٍ في العلاقاتِ بينَ البلدينِ، حيثُ اُعتبرتْ بمَثابةِ خُطواتٍ تمهيديةِ للزيارةِ المرتقبةِ لأردوغان إلى بغدادَ، والتي ستحددُ المَلامحَ المُستقبليةَ للعلاقاتِ بينَ البلدينِ في المَلفَاتِ التاليةِ:

مَلفُ مُكافحةِ الإرهابِ

مَكافحةُ الإرهابِ تُعتبرُ واحدةً منْ أهمِّ التحدياتِ الأمنيةِ التي تشتركُ في مُواجهتِها كلٌّ منَ العراقِ وتركيا، ولأنهَا مِنْ أهمِّ العواملِ التي أثرتْ سلبًا في العلاقاتِ بينَ البلدينِ، نظرًا لاستنكارِ العراقِ للعملياتِ العسكريةِ التركيةِ المستمرةِ داخلَ أراضيهِ لاستهدافِ قَواعدَ حِزبِ العُمّالِ الكردستانيِ (PKK) والذي يَستَخدِمُ الأراضيِ العراقيةَ كقَواعدَ لهُ للانطلاقِ منهَا تُجاهَ الداخلِ التركيِ، دونَ التنسيقِ المُسبقِ معَ السلطاتِ العراقيةِ.

وقدْ طَالبتْ تركَيا الحكومةَ العراقيةَ بتصنيفِ حزبِ العمالِ الكردستانيِ رسميًا كمنظمةٍ إرهابية،ٍ واستجابَ مجلسُ الأمنِ القوميِ العراقيِ لاحقًا منْ خلالِ تصنيفِ الحزبِ كمنظمةٍ محظورةٍ. ومِنَ المتوقعِ أنْ يتمَّ مناقشةُ الآلياتِ المشتركةِ لمواجهةِ الأنشطةِ الإرهابيةِ بهدفِ تحقيقِ مصالحِ البلدينِ، وتحديدِ المناطقِ التي ينشطُ فيها تنظيمُ حزبِ العمالِ الكردستانيِ في شمالِ العراقِ، كمَا سيتمُ اختيارُ منطقةً آمنةً لإنشاءِ مركزٍ للعملياتِ المشتركةِ بينَ البلدينِ. وعلى هذا الأساسِ، ستُعدُ خطةَ تعاونٍ عسكريٍ لتطهيرِ المنطقةِ منَ التنظيمِ وتحييدهِ، معَ التركيزِ على المناطقِ ذاتِ الأولويةِ التي يتواجدُ فيها التنظيمُ، مثلَ قنديلِ وسنجارِ ومخمورِ والسلمانيةِ وغارا في شمالِ العراقِ.

ملفُ المياهُ

تُعتبرُ المياهُ موردًا استراتيجيًا لكلٍ منَ العراقِ وتركيا، حيثُ يُعتبرُ نهرُ الفراتِ أحدَ أهمِّ المصادرِ الرئيسيةِ للمياهِ في المنطقةِ، ويعتمدُ العراقُ بشكلٍ كبيرٍ على هذا النهرِ لأنشطةِ الزراعةِ والريِ وتوفيرِ المياهِ العَذْبةِ للاستخدامِ البشريِ. ومنذُ سنواتٍ، يُواجهُ العراقُ أزمةَ جفافٍ حادةٍ أدتْ إلى خُروجِ مساحاتٍ كبيرةٍ منَ الأراضيِ الزراعيةِ من! الخدمةِ. وبالمثلِ، تواجهُ تركيا نفسَ النَقْصِ في المواردِ المائيةِ في بعضِ المناطقِ، ممَّا جعلَ قضيةَ توزيعِ الحصصِ المائيةِ بينَ البلدينِ أحدَ القضايَا الرئيسيةِ في تحديدِ العلاقاتِ بينهُما.

تعودُ المشكلةُ إلى السدودِ التي أقامَتْها تركيا على نهرِ الفراتِ، حيثُ يتهمُ العراقُ تركيَا بالتسببِ في نَقْصِ مواردِ المياهِ. لِذا، أصبحتْ قضيةُ المياهِ من أهمِ القضايَا التي يتمُ مناقشتُها في مُحادثاتِ ومُفاوضاتِ الطرفينِ منْ أجلِ التوصلِ إلى اتفاقياتٍ تنظمُ استخدامَ وتوزيعَ المياهِ بشكلٍ عادلٍ. وبالتاليِ، منَ المتوقعِ أنْ تُسهمَ الزيارةُ في حالِ نجاحِها في التوصلِ إلى حلٍ وسطٍ في قضيةِ المياهِ، وهو ما يُعتبرُ منْ أهمِّ النتائجِ المُتوقعةِ لهذهِ الزيارةِ.

ملفُ النفطِ

وبالتأكيدِ، سيتمُ خلالَ المباحثاتِ المرتقبةِ مناقشةُ قضيةِ النفطِ وخطِ الأنابيبِ الذي يَربِطُ بينَ العراقِ وتركيا، وحولَ إمكانيةِ تشغيلهِ، بعدَ أنْ قامتٍ تركيا بتعليقِ التدفقاتِ التي تصلُ إلى 450 ألفَ برميلٍ عبرَ خطِ الأنابيبِ الواقعِ في شمالِ العراقِ، وذلكَ بعدَ صدورِ حكمٍ من غُرفةِ التجارةِ الدوليةِ القاضيِ بدفعِ تعويضاتٍ لبغدادَ عن الصادراتِ غيرِ المُصرحِ بهَا منْ قِبلٍ حكومةِ إقليمِ كردستانَ العراقِ بينَ عاميِ 2014 و2018، لتعترضَ أنقرةُ على القرارِ وطالبتْ من جانبِها بالحصولِ على تعويضاتِ.

وكانتٌ قدْ بدأَتْ الطلباتُ الرسميةُ منْ مسؤوليِ الحكومةِ في بغدادَ إلى تركيا لاستئنافِ تصديرِ النفطِ عبرَ خطِ الأنابيبِ بينَ العراقِ وتركيا. وفي هذا الإطارُ، أعربَ الناطقُ باسمِ وزارةِ الخارجيةِ التركيةِ إونجو كيتشيلي عنْ أملهِ في فتحِ خطِ الأنابيبِ بأسرعِ وقتٍ ممكنٍ، مشيرًا إلى أنَّ أردوغانَ سيناقشُ هذه القضيةَ خلالَ زيارتهِ المرتقبةِ للعراقِ، ولعلَّ هذهِ الزيارةَ تُسفرُ بالفعلِ عن فتحِ خطِ الأنابيبِ واستئنافِ تصديرِ النفطِ.

وختامًا:

إنًَ الزيارةَ المرتقبةَ للرئيسِ التركيِ إلى بغدادَ تَتَجلى أهميتُها في عدةِ جوانبَ ترسيخيهٍ للعلاقاتِ المشتركةِ بينَ البلدينِ، حيثُ ستمثلُ فرصةً لتعزيزِ التعاونِ الثنائيِ في مختلفِ المجالاتِ، بالأخصِ على الأَصعدةِ الأَمنيةِ والاقتصاديةِ والتنمويةِ، كمَا سيُسهمُ نجاحُ هذهِ الزيارةِ في تحقيقِ استقرارٍ أكبرَ في المنطقةِ، وتعزيزِ الأمنِ والسلمِ فيها، بالإضافةِ إلى فتحِ آفاقٍ جديدةٍ للتعاونِ الإقليميِ والدوليِ.

وبالرغمِ منَ الأهميةِ البالغةِ لقضايَا مكافحةِ الإرهابِ والمياهِ والطاقةِ، التي سيتمُ مناقشتُها من أجلِ التوصلِ إلى حُلولٍ مُرضيةٍ لهَا بينَ البلدينِ، يجبُ أيضًا الأخذُ في الاعتبارِ التطرقَ إلى قضايَا محوريةٍ أُخرىَ في إطارِ عمليةِ تعميقِ العلاقاتِ الثُنائيةِ. ومنْ بينِ هذهِ القضايَا، مشروعُ طريقِ التنميةِ الذي يربطُ بينَ الخليجِ وتركيَا عبرَ العراقِ، فهذا المشروعُ يَحْمِلُ أهميةً خاصةً بالنسبةِ لتركيا، حيثُ يُعتبرُ فرصةً حيويةً لتوسيعِ نشاطِها في دُولِ الخليجِ، وتعزيزِ العلاقاتِ وتعزيزِ المصالحِ المشتركةِ، وتُبْرِزُ المكاسبَ التي تتطلعُ تركيا لتحقيِقِها منْ هذا المشروعِ، حيثُ يُعززُ دورهَا كمركزٍ رئيسيٍ لنقلِ الطاقةِ، مما يعززُ بذلكَ سياساتِها في تحقيقِ استقلالهِا في مجالِ نقلِ الطاقةِ، إنَّ تعميقَ التعاونِ في هذا المشروعِ سيسهمُ في تعزيزِ التبادلِ التِجاريِ بينَ البلدينِ، وتعزيزِ الاستثماراتِ، وتحقيقِ التنميةِ الاقتصاديةِ المُستدامةِ، مِمَّا يعززُ الاستقرارَ الإقليميَ والتعاونَ الإقليميَ بشكلٍ عامٍ.

المصادر:

تركيا والعراق يقرران تشكيل لجان دائمة بمجالات أمنية وتنموية”، وكالة الأناضول التركية، ١٥/٣/٢٠٢٤، متاح على: https://2u.pw/6FyMb9BQ.

Türkiye Cumhuriyeti ile Irak Cumhuriyeti Arasında Gerçekleştirilen Güvenlik Mekanizması Görüşmesine İlişkin Ortak Sonuç Bildirisi, 14 Mart 2024, Türkiye Cumhuriyeti Dışişleri Bakanlığı, Türkiye Cumhuriyeti ile Irak Cumhuriyeti Arasında Gerçekleştirilen Güvenlik Mekanizması Görüşmesine İlişkin Ortak Sonuç Bildirisi, 14 Mart 2024 / T.C. Dışişleri Bakanlığı (mfa.gov.tr).