إعداد: إسراء عادل

المقدمة

إن التطورات الأخيرة فى الشرق الأوسط وضعت العراق والأردن فى قلب التداعيات الإقليمية لهذا النزاع الدموى، ففى ظل تصاعد المناكفات بين الولايات المتحدة وإيران، تسعى دول المنطقة إلى تجنب تداعيات هذه المناكفات، خاصة فى إطار المواجهات غير المباشرة بين البلدين فى دول ومواقع إقليمية عديدة، تُظهر فيها كل من واشنطن وطهران نفوذيهما، وكان الأردن والعراق من بين هذه الدول التى تُستخدم كساحة لتصفية الحسابات بين الدول المتخاصمة، وظهر ذلك جليًا حين استهدفت المقاومة الإسلامية فى العراق قاعدة أمريكية تعرف (بالبرج 22) شمال شرق الأردن فى 28 يناير الماضى، مما أسفر عن مقتل 3 جنود أمريكيين، وفى المقابل ردت واشنطن بشن غارات على أهداف فى سوريا والعراق، قُتل فيها مشتاق طالب السعيدى وأبو باقر الساعدى من كبار عناصر ميليشيا “النجباء و حزب الله” الموالية لإيران، كما أودت بحياة 16 شخصًا من بينهم مدنيون، وفى سياق ذلك حاولت عمّان وبغداد احتواء أى تأثير سلبى على مسار العلاقات بين البلدين.

اتهامات الأردن بالمشاركة فى الغارات الأمريكية على العراق

بعد أن انتشرت معلومات أشارت إلى أن طائرات F-16 تابعة لسلاح الجو الملكى الأردنى، شاركت فى الضربات الجوية الأمريكية وأفادت بأن دور الأردن جاء ليظهر التضامن مع الولايات المتحدة فى أعقاب غارة الطائرات دون طيار على قاعدة “البرج 22” شمال شرق الأردن، أكد الأردن احترامه لسيادة العراق وعمق العلاقات الأخوية التى تجمع الأردن مع كافة الدول العربية، وذلك تعليقًا على تقارير متناقلة تزعم مشاركته فى هجمات واشنطن على العراق، إذ أعلن الجيش الأردنى أن سلاح الجو الملكى الأردنى لم يشارك فى الغارات الجوية التى نفذتها القوات الجوية الأمريكية داخل الأراضى العراقية.

هل تعصف مناكفات واشنطن وطهران بعلاقات العراق والأردن؟

رغم نفى عمّان مشاركتها فى الغارات الأمريكية على العراق، جاء تحرك عدد من نواب البرلمان العراقى للمطالبة بسن قانون يفرض عقوبات على الأردن ليعيد النظر مجددًا حول الضربات الأمريكية على العراق، خاصة بعد ظهور تقارير أمريكية تحدثت عن مشاركة الأردن فى تلك الضربات، ورغم عدم تأثر العلاقات بين البلدين والتأكيد على عمقها وتاريخها، إلا أن التداعيات لم تنتهِ على الأقل من جانب أكثر من 60 نائبًا، الذين وقعوا على مقترح قانون يلزم وزارة النفط بوقف بيع الخام للأردن وإلغاء الامتيازات الاقتصادية الممنوحة، حيث اقترح النائب العراقى هادى السلامى فرض عقوبات على الأردن، يحرمها من امتياز شراء النفط بسعر أقل 16 دولارًا، وإلغاء الإعفاءات والرسوم الجمركية على البضائع القادمة من الأردن، معللًا ذلك بسبب اشتراك الأردن مع الولايات المتحدة الأمريكية فى انتهاك السيادة العراقية وقصف مقرات القوات المسلحة العراقية واستشهاد وإصابة عدد من العراقيين، وكان العراق والأردن وقّعا اتفاقًا فى فبراير 2019، يضمن إعفاءات جمركية بين البلدين فى مجالات النقل الجوى والبرى والطاقة والصحة والقطاع المالى، وبيع النفط للأردن بسعر أقل من سعر السوق العالمية بواقع 16 دولارًا.

وفى هذا السياق نجد أن الحراك داخل البرلمان العراقى لإقرار قانون يفرض عقوبات على الأردن، لا يمثل إجماعًا سياسيًا فى ظل الانقسام الحالى، فعلى سبيل المثال فإن نواب المكونين السنى والكردى على الأقل ليسوا مع هذا المقترح.

صادرات العراق النفطية للأردن:

من المعروف أن العراق يزود الأردن منذ زمن نظام صدام حسين، بكميات من النفط بأسعار تفضيلية، واستمر الحال على ما هو عليه خلال حكومات بغداد المتعاقبة ما بعد الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، على الرغم من انتقادات العديد من الأطراف السياسية العراقية، فقبل عام 2003، كان العراق يصدّر 100 ألف برميل يوميًا نصفها بالمجان والنصف الآخر بأسعار تفضيلية، فى عام 2006، تم توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين لتجهيز ونقل النفط العراقى الخام للأردن بكمية 10 آلاف برميل يوميًا من النفط الخام ترتفع إلى 15 ألف برميل، لتتم زيادتها مستقبلًا إلى 30 ألف برميل وبخصم يصل إلى 18 دولارًا للبرميل عن السعر العالمى (سعر نفط خام برنت)، وفى عام 2008 تم رفع الخصم إلى 22 دولارًا للبرميل، ومؤخرًا تم الاتفاق على خفض الخصم من 18 إلى 16 دولارًا، أقل من سعر نفط برنت، مع زيادة الكمية المصدرة إلى الأردن إلى 15 ألف برميل يوميًا، وعليه فإنه وفقًا للاتفاق الأخير، توفّر المملكة الأردنية حوالى ربع مليون دولار يومياً، قد تخسرها نتيجة اتهامها بالمشاركة فى الغارات الأمريكية.

ابتزاز الأردن لصالح إيران:

يبدو أن التخادم الأمريكى الإيرانى مستمرًا، وهناك خلاف على ملفات معينة وتوافق فى ساحات كثيرة، فمن الواضح أن أمريكا تخادمت مع إيران فى ظل غياب النظام الرسمى العربى وتخليه عن كامل مسؤولياته، فعندما رأت إيران تخلى النظام العربى بشكل كامل عن العراق قررت هى أن تبتلعه بأكمله، ويبدو أن أمريكا وإيران اتفقا على جعل الساحة العراقية ساحة تصفية للحسابات بينهما، وذلك فى ظل غياب الإرادة الوطنية العراقية، فالهدف الرئيسى هو ابتزاز الأردن لصالح إيران، ومحاولة فتح أى ملف جديد تستخدمه إيران كورقة ابتزاز للأردن وكورقة أيضًا يمكن أن تملكها تجاه الولايات المتحدة.

مستقبل العلاقات (العراقية – الأردنية):

شهدت العلاقات العراقية الأردنية منذ تأسيس الدولتين وحتى الوقت الحاضر تقلبات وانعطافات عديدة، نتيجة للأحداث والأزمات التى شهدتها المنطقة والتى ألقت بظلالها على طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، فقد مثلت علاقة العراق بالأردن لعقود طويلة نموذجًا للعلاقة الإيجابية القائمة على التعاون والتنسيق الفاعل فى المحيطين الإقليمى والعربى، وشكلت المصالح المتبادلة بين البلدين أساس العلاقة بينهما خلال العقدين الماضيين، وانعكس ذلك على علاقات العراق مع العالم، فالعراق يتمتع بمركز الظهير القوى للسياسة والاقتصاد الأردنيين، فضلًا عن أن العراق هو البلد الذى يمثل العمق الإستراتيجى للأردن عندما تحيط به المخاطر، كما يشكل العامل الاقتصادى عصب السياسة الخارجية الأردنية، ويمثل النفط العراقى عنصرًا مهمًا فى هذه السياسة، فمنذ ثمانينات القرن العشرين مثلت التجارة مع العراق أهم أركان الاقتصاد الأردنى ليس هذا فحسب، إذ قام العراق بتأمين معظم احتياجات الأردن من الطاقة بأسعار أقل من أسعار السوق، كما احتفظ الأردن بتجارة قوية مع العراق وتحول جانب كبير من العلاقة التجارية إلى القطاع الخاص الأردنى، ونشط سوق العقارات نتيجة هجرة عدد كبير من العراقيين، إذ توسعت الكثير من المشروعات التجارية الأردنية نحو العراق.

وفى الوقت الراهن قد تكون العلاقات بين عمّان وبغداد على أعتاب مرحلة جديدة فى ظل التوترات بين القوات الأمريكية والميليشيات العراقية المدعومة من إيران، خاصة بعد الهجوم على قاعدة البرج 22 شمال شرق الأردن، فضلًا عن الاتهامات الموجهة إلى عمّان بمشاركتها فى الغارات الأمريكية على العراق، وفى ضوء ما سبق، فإن استشراف مستقبل العلاقات (العراقية – الأردنية) يتحدد من خلال السيناريوهين التاليين:

1- سيناريو تجاوز الأزمة وتعزيز التعاون الثنائى

فحتى الآن لم يصدر قرارًا فى مسألة النفط مما يعنى أن بغداد تحاول تهدئة الوضع بما لا يضر مصالح البلدين، كما تسعى الأردن إلى تعزيز التعاون الثنائى مع العراق فى كافة القطاعات وتحديدًا الاقتصادية، فضلًا عن التعاون فى مجال الطاقة والربط الكهربائى وإقامة مشاريع اقتصادية كبرى لتكون هذه المشاريع جزءًا من منظومة أمن البلدين، فالمصالح الحيوية بين البلدين قد تُسهم فى حل المشاكل التى قد تواجههم مستقبلًا، فالعاصمة الأردنية عمّان تمثل ساحة حراك سياسى دائم، عربيًا ودوليا فى العموم وعراقيًا على وجه التحديد، وهى الأقرب لكل مناطق التوتر والصراع فى الشرق الأوسط، وهناك ملفات مهمة قد تُلقى بظلالها على الأردن، خاصة أن العراق يشهد أوضاعًا صعبة تحمل معها تداعيات مهمة قد تؤثر على استقرار الأردن وأمنه، وفى السياق ذاته وقع الأردن والعراق مذكرة تعاون فى المجال الأمنى، وذلك من أجل منع ومكافحة جرائم الإرهاب الدولى وتمويله والجريمة المنظمة، وجرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات والأسلحة.

2- سيناريو التأثير على العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين

فالاتهامات الموجهة للأردن على خلفية مشاركتها فى الغارات الأمريكية على العراق، إلى جانب تقديم نواب عراقيون بمشروع قانون مقترح إلى رئاسة البرلمان يفرض عقوبات اقتصادية عليها، قد يترك أثرًا سلبيًا على العلاقات بين البلدين، ويعرقل من سُبل تعزيز التعاون الثنائى فى المجالات الاقتصادية والتبادل التجارى، فرغم العلاقات الإيجابية بين الأردن والعراق، إلا أن هناك بعض التحديات ومن بينها المشكلات الأمنية وزعزعة الاستقرار السياسى فى العراق، فضلًا عن التحديات الاقتصادية العالمية التى قد تؤثر فى كلا البلدين، ومن هنا تأتى أهمية التواصل ومد جسور جديدة بين البلدين خاصة فى المجالات السياسية والاقتصادية التى يحتاجها الطرفان، فقطع هذه الجسور قد يضر بمصالح الدولتين، كما أن محاولة إيجاد بدائل عن العلاقات المتكاملة قد يكلف الطرفين أثمانًا باهظة يمكن الاستفادة منها للبناء والاستثمار الداخلى والمشترك.

خلاصة القول

مما تقدم، يتضح أن العامل الاقتصادى يؤدى دورًا أساسيًا فى السياسة الخارجية الأردنية تجاه العراق، إذ يُعد هذا العامل المحور الأساسى فى استقطاب الأردن للعراق وحرصها على الاستمرارية والتقدم فى العلاقات فى ظل المصالح السياسية والأمنية والجوار الجغرافى، فالأردن على مدى عقود كان يمثل عمقًا ومنفذًا اقتصاديًا وتجاريًا للعراق تزداد أهميته أكثر فأكثر مع كل أزمة يمر بها العراق، فضلًا عن الصراع (الأمريكي- الإيرانى) وتزايد الضغوط الأمريكية على العراق لتطبيق العقوبات على إيران وتقليل اعتماده الاقتصادى عليها، وجاء هذا التوجه الاقتصادى ليجسد مصلحة متبادلة للبلدين؛ فالعراق يسعى إلى إيجاد بدائل اقتصادية فى حال اشتداد الضغوط الأمريكية عليه لتعويض أى نقص محتمل فى وارداته من السلع والطاقة، أما الأردن فإنه يسعى من خلال هذا التوجه إلى تخفيف أزماته الاقتصادية المزمنة وتعويض النقص فى احتياجاته من الطاقة، فالمصالح الاقتصادية والأمنية للبلدين الجارين، والحاجة المتبادلة لكل منهما للآخر، تدفع إلى المزيد من توسيع مجالات التعاون والتنسيق الثنائى وتعميق الروابط الاقتصادية والأمنية.