إعداد: آية أشرف

مقدمة

أحدثتْ الحَربُ الأخِيرةُ في غزةَ منذُ اندلاعهِا في السابعِ منْ أكتوبر 2023م العديدََ منَ التغيراتِ الجذريةِ ليسَ فقط ٍعلى مستوىَ الصراعِ الفلسطينيِ الإسرائيليِ بلْ كانَ لها ارتداداتٌ خطيرةٌ على مستوىَ الداخلِ الإسرائيلي الذيِ شهدَ هزةً عنيفةً على المستوىَ السياسيّ والعسكريِ والاجتماعيِ والتي سوفَ تظهرُ تداعياتهُا على مدىً زمنيٍ ليسَ بطويلٍ خاصةً في ظلِّ حالةِ انعدامِ الأمنِ والأمانِ التي أصبحتْ تسيطرُ على كافةِ شرائحِ المجتمعِ في إسرائيلَ، الأمرُ الذيِ تمَّ اتخاذُه كزريعةٍ مناسبةٍ منْ قِبلِ بعضِ مسؤولينَ حكوميينَ لتنفيذِ سياساتٍ أكثرَ عنفاً وتطرفاً تساعدُهم في تنفيذِ مخططِ تهجيرِ الفلسطينيينَ وتصفيةِ القضيةِ بالعنفِ الممنهجِ وعلى رأسِ هؤلاءِ المسؤولينَ  وزيرِ الأمنِ الداخليِ الإسرائيليِ “إتمارِ بن غفير” اليمينيِ المتطرفِ صاحبِ دعوىَ ضرورةِ التوسعِ في تسليحِ المستوطنينَ بحجةِ الحفاظِ على حياتهِم ضدَّ الهجماتِ الفلسطينيةِ، وعليهِ فإنَّ هذهِ الورقةُ تناقشُ سياسيةَ تسليحِ المستوطنينَ في إسرائيلَ التي يتبنَاها “بن غفير” والتسهيلاتِ التي وفرتهَا الحكومةُ للمستوطنينَ لدفعهِم لاستصدارِ المزيدِ منَ تراخيصِ حملِ السلاحِ ومبرراتِ هذهِ السياسةِ وتداعياتِها على شكلِ الصراعِ الفلسطينيِ الإسرائيليُ وعلى مستوىَ الداخلِ الإسرائيليِ.

سياسةُ تسليحِ المستوطنينَ في إسرائيل!

استغلتْ حكومةُ الاحتلالِ الإسرائيليِ عمليةَ “طوفانِ الأقصى” وما أثارتهُ منْ قلقٍ ورعبٍ في الداخلِ الإسرائيليِ لتوظيفِها كمبررٍ لتوسيعِ سياسةِ تسليحِ المستوطنينَ ليسَ فقطْ في المستوطناتِ الحدوديةِ ومنطقةِ غلافِ غزةَ ولكنْ أيضاً في مستوطناتِ الضفةِ الغربيةِ والقدسِ المحتلةِ، وقَدْ أكدتْ تقاريرٌ وتصريحاتُُ حكوميةُُ إسرائيليةٌ أنَّ 250 ألفَ مستوطنٍ إسرائيليٍ تقدموُا بطلباتٍ للحصولِ على تراخيصِ حملِ السلاحِ في الأسبوعِ الأولِ لعمليةِ “طوفانِ الأقصىَ” فضلاً عنْ تزايد الإقبالِ بشكلٍ غيرِ مسبوقٍ منْ هؤلاءِ المستوطنينَ على مراكزِ تدريبِ استخدامِ السلاحِ، الأمرُ الذي دفعَ وزارةَ الأمنِ الداخليِ بقيادةِ ” إتمار بن غفير” إلى إنشاءِ أكثرَ منْ 650 ورشةَ عملٍ لتدريبِ المستوطنينَ على حملِ واستخدامِ الأسلحةِ التي توفرُها الحكومةُ لهُم، علاوةً على ذلكَ إنشاءُ 600 فرقةٍ منَ الحراسةِ المدنيةِ في بلداتٍ يهوديةٍ مختلفةٍ حتىَ تلكَ البعيدةَ عنْ مناطقِ الحربِ والنزاعِ.

وعليهِ فقدْ سارعتْ الحكومةُ الإسرائيليةُ على تسهيلِ إجراءاتِ عمليةِ منحِ رُخصِ حملِ السلاحِ للمستوطنينَ وعَمِلتْ على إلغاءِ الشروطِ المقيدةِ لهذهِ العمليةِ، كمَا صدقتْ لجنةُ الأمنِ في البرلمانِ عدداً منَ اللوائحِ التيِ قدمهَا “بنُ غفير”  تسمحُ بتوسيعُ معايرِ الحصولِ على ترخيصِ حملِ السلاحِ وبناءاً على هذهِ اللوائحِ فإنَّ أكثرَ منْ 440 ألفَ مستوطنٍ يمكنهمُ حملُ السلاحِ واستخدامُه دونَ وجودِ أيُّ شروطٍ أو قيودٍ، وتتيحُ هذه التسهيلاتُ لكافةِ المستوطنينَ اليهودُ في الأراضيِ المحتلةِ حملَ السلاحِ بما فيهمْ المهاجرينَ الجددِ وفرقِ التطوعِ بالإسعافِ وفرقِ الإطفاءِ والإنقاذِ، علاوةً على ذلكَ التسليـحُ الخاصُ الذي يتلقاهُ سكانُ الكيبوتسِ “المستوطناتُ الزراعيةُ والعسكريةُ” الموجودةُ على طولِ المناطقُ الحدوديةِ وغلافِ غزةَ بالتوازيِ معَ إعادةِ تسليحِ أفرادُ الشرطةِ والجيشّ الذين أحيلوُا للتقاعدِ.

وفي ذاتِ الإطارِ عملَ “بن غفير” على تمديدِ فترةِ منحِ تراخيصِ الأسلحةِ إلى ستةِ أشهرٍ إضافيةٍ وصرّحَ قائلاً: إِنًَ الأسلحةَ تنقذُالأرواحَ وأنَّ حقَّ الإسرائيليِ في الحياةِ أهمُّ منْ حقِّ الفلسطينيِ في التنقلِ” فضلاً عنْ إطلاقهِ للعديدِ منَ الدعاوىِ للمستوطنينَ للتطوعِ بفرقِ التدخلِ السريعِ التي أنشاءهَا، وفي تقريرٍ لجريدةِ “نيويورك تايمز” أنَّ إسرائيلَ عملتْ على عقدِ صفقاتٍ للسلاحِ من المصانعِ الأمريكيةُ بقيمةِ 34 مليونَ دولارٍ تشملُ 24 ألفَ بندقيةٍ هجوميةٍ وتوزعُ على المستوطنينَ وهوَ الأمرُ الذي أثارَ تخوفاً كبيراً لدىَ الولاياتِ المتحدةُ خاصةً في ظلِّ تماديِ المستوطنينَ في ارتكابِ العديدِ من الجرائمِ وأعمالِ العنفِ ضدَّ الفلسطينيينَ خاصةً في الضفةِالغربيةِ، الأمرُ الذي دفعَ العديدَ من الجهاتِ الدوليةِ إلى فرضِ عقوباتٍ على هؤلاءِ المستوطنينَ كتجميدِ أصولهِم ووضعِ قيودٍ  على سفرِهم للخارجِ والحدِّ منْ نشاطاتِهم التجاريةِ في خطوةٍ غيرِ مسبوقةٌ، فضلاً عنْ تنديدِ العديدِ منَ المنظماتِ الدوليةِ _على رأسِها الأممُ المتحدةـ ومختِلفُ منظماتِ حقوقِ الإنسانِ الدوليةِ_  بعدمِ وجودِ أيِّ مسائلةٍ قانونيةٍ عنْ العنفِ الذي يمارسُه المستوطنونَ ضدَّ المدنيينَ منَ الفلسطينيينَ فضلاً عنْ المَنحِ الغيرِ مشروطٍ لرخصِ منحِ السلاحِ لهؤلاءِ المستوطنينَ.

مخاطرُ وتداعياتُ تسليحِ المستوطنينَ الإسرائيليينَ

بالنسبةِ للصراعِ الفلسطينيِ الإسرائيليِ:

إِنَّ خطوةَ التوسعِ في سياسةِ تسليحِ المستوطنينَ تأتيِ في إطارِ سياسةِ مُخططٍ لهَا على مدىً زمنيٍ طويلٍ منْ قِبَلِ الحكومةِ الإسرائيليةِ التي تعملُ من خلالهِا على توسيعِ رقعةِ المستوطناتِ الإسرائيليةِ على الأراضيِ الفلسطينيةِ منْ خلالِ ممارسةِ العنفِ الممنهجِ ضدَّ الفلسطينيينَ خاصةً في أراضيِ الضفةِ وإجبارهِم للنزوحِ إلى الأردنِ وهو الأمرُ الذي ظهرَ جلياً في المنشوراتِ والدعاوىِ المتطرفةِ التي يطلُقها جيشُ الاحتلالِ ويتداولُها المستوطنونَ والتيُ تحاولُ بثَّ الرعبِ والخوفِ في نفوسِ الفلسطينيينَ والتوعدَ لهم بنكبةٍ كبرىَ جديدةٍ في حالِ عدمِ تركهِم الأرضَ لصالحِ المستوطنينَ وعليهِ فإنَّ هذهِ السياسةُ تأتيِ في إطارِ تصورٍ عامٍ يهدفُ إلى حسمِ الصراعِ بالعنفِ وتجاهلِ كافةِ الجهودِ والأصواتِ الداعيةِ إلى العملِ على التوصلِ لحلٍ سياسيٍ للصراعِ بشكلٍ عامٍ والحربِ الحاليةِ على وجهِ التحديدِ.

ومِمّا لا شكَّ فيهِ أنَّ هذهِ السياسةُ وما يتزامنُ معَها منْ تصريحاتٍ متطرفةٍ منْ قِبل الحكومةِ الإسرائيليةِ وجيشِ الاحتلالِ تؤديِ بشكلٍ كبيرٌ إلى زيادةِ العنفِ الذي يمارسهُ المستوطنونَ ضدَّ الفلسطينيينَ فقدْ أكدتْ عددّ من الوسائلِ الإعلاميةِ أنَّ أكثرَ منٍ 250 مواطنٍ فلسطينيٍ منَ الضفةِ أُجبروا على تركِ منازلهِم بسببِ الاعتداءاتِ المتواصلةِ من المستوطنينَ عليهِم فضلاً عن حوادثِ القتلِ  والاعتداءِ التي يتعرضُ لهَا أصحابُ الأرضِ من قِبلِ هؤلاءِ المستوطنينَ، الأمرُ الذي سوفَ يعملُ على مضاعفةِ المعاناةِ التي يعشيُها الفلسطينيونَ خاصةً في ظلِّ عدمِ وجودِ أيِّ آلياتٍ سواءٌ إقليميةٍ أو أمميةٍ قادرةٍ على كبحِ الاندفاعِ الإسرائيليِ في كافةِ الأراضيِ الفلسطينيةِ بكافةِ الوسائلِ والطرقِ الممكنةِ.

بالنسبةِ للداخلِ الإسرائيليِ:

هذهِ السياسةُ التي تبنَاها “بنُ غفير” وغيرهُ من المسؤولينَ المتطرفينَ في الحكومةِ الإسرائيليةِ أثارتْ العديدَ منَ المخاوفِ والتساؤلاتِ في الداخلِ الإسرائيليِ أكثرَ منهُ بالنسبةِ للفلسطينيينَ المُستَهدفينَ بهذهِ السياسةٌ، لعلَّ أهمَّ هذهِ التساؤلاتِ كانتْ تدورُ حولَ مدىَ جدوىَ نجاحِ هذهِ السياسةِ في تحقيقِ الأمنِ لإسرائيلَ بلْ ذهبَ بعضُ المحللينَ عنْ مدىَ جدوىَ الحربِ الحاليةِ في قطاعِ غزةَ خاصةً في ظلِّ النتائجِ العكسيةِ التي أصبحتٍ تحققُها الحربُ بالنسبةِ لإسرائيلَ على كافةِ المستوياتِ والأصعدةِ، فضلاً عن تخوفاتٍ كثيرةٍ منْ قِبلِ العديدِ منَ المسؤولينَ والمحللينَ الإسرائيليينَ منْ أنْ تتحولَ هذهِ الفرقُ إلى مليشياتٍ تابعةٍ ل “بن عفير” في منطقةِ الخطِ الأخضرِ والضفةِ الغربيةِ تكونُ تحتَ إمرتهِ  بشكلٍ حصريٍ، الأمرُ الذي سيكونُ لهُ العديدُ منَ التداعياتِ العكسيةِ على إسرائيلَ في المقامِ الأولِ ولعلَّ أخطرَ هذهِ التداعياتِ هي الانقساماتُ الداخليةُ على المستوىَ الرسميِ الإسرائيليِ؛ إذْ يرفضُ العديدُ منَ المسؤولينَ الإسرائيليينَ هذاَ النهجَ غيرَ المسؤولِ الذي يتبناهُ “بن غفير” بدعمٍ مطلقٍ منٍ “بنيامين نتنياهو” الأمرُ الذي أدىَ إلى استقالةِ رئيسِ شعبةِ الأسلحةِ في وزارةِ الأمنِ الداخليِ إحتجاجاً على سياسةِ التسليحِ العشوائيةِ التي يتمُّ تنفيذُها حالياً، علاوةً على ذلك تداعياتِ هذه السياسةِ على الهيكلِ الاجتماعيِ الإسرائيليِ فهيَ تعززُ بشكلٍ كبيرٍ السلوكَ العنيفَ في الداخلِ الإسرائيليِ الأمرُ الذي سوفَ يوديِ إلى خَلقِ مجتمعٍ مسلحٍ قادرةٍ على ممارسةِ العنفِ سواءٌ ضدَّ الفلسطينيينَ أو ضدَّ المستوطنينَ أنفسِهم.

الخاتمة

نجدُ ممًَا سَبقَ إنَّ التوسعَ في تبنيِ مثلُ هذهِ السياساتِ المتطرفةِ التي يطرحُها “بن غفير” وغيرهُ من المسؤولينَ في إسرائيلَ هو انعكاسٌ للتوجهِ المتطرفِ الذي تتبناهُ الحكومةُ الإسرائيليةُ وتأتيِ هذه السياسةُ كجزءٍ من استراتيجيةِ إسرائيلَ في الدفاعِ عن أمنِها وتعزيزِ سيطرتِها على الأراضيِ الفلسطينيةِ، إلاَّ أنَّ هذا الاندفاعَ المتهورَ والمتطرفَ نحوَ التوسعِ في تسليحِ المستوطنينَ ستكونُ نتائجُه كارثيةً بشكلٍ كبيرٍ على إسرائيلَ في المقامِ الأولِ خاصةً في ظلِّ حالةِ الاستنكارِ الدوليِ لهذهِ السياسةِ وللتصريحاتِ المتطرفةِ للمسؤولينَ في حكومةِ “نتنياهو” وفي مقدمتِهم “بن غفير”، فضلاً عنْ أنهَا تؤكدُ بشكلٍ كبيرٍ أنَّ المقاومةَ الفلسطينيةَ نشأتْ كردةِ فعلٍ طبيعيةٍ لانتهاكاتِ المستوطنينَ الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، الأمر الذي يقدمُ إجابةً قد تكونُ هي الأكثرُ واقعيةً عن تساؤلِ البعضِ حولَ مدىَ جدوىَ هذهِ السياسةِ وغيرِها من السياساتِ المتطرفةِ التي يتبَناها كلّّ من “نتنياهو” و “بن غفير” في ضمانِ الأمنِ لإسرائيلَ والإسرائيليينَ فهيَ بالطبعِ تزيدُ من مستوياتِ التوترِ وانعدامِ الأمنِ في الداخلِ الإسرائيليُ قبلَ الداخلِ الفلسطينيِ إذٍ إنَّ المقاومةَ الفلسطينيةَ أثبتْ بشكلٌ واقعيٍ أنها تزدادُ حدةً وضرواةً كلَما ازدادَ المستوطنونَ وسلطاتُ الاحتلالِ عنفاً وتطرفاً.

وعليهِ فإنهُ حتى بالنسبةِ للداخلِ الإسرائيليِ فإنَّ هذهِ السياسةَ مَا هي إلاَّ محاولةً منْ أنصارِ اليمينِ المتطرفِ لتطبيقِ توجهاتهِم على أرضِ الواقعِ دونَ حسابات منطقية ومدروسة للواقع الذي تُطبقُ فيهِ هذه السياسةُ فضلاً عن أنَها تؤكدُ بشكلٍ كبيرٍ على عدمِ قدرةِ الحكومةِ الإسرائيليةِ في توفيرِ الحمايةِ للمستوطنينَ بلْ إِنهَا تفضلُ أن يتولىَ كلُّ مستوطنٍ حمايةَ ذاتهِ بشكلٍ منفردٍ، الأمرُ الذي يُظهرُ تخبطاً واضحاَ وتشويشاَ كبيراً في رؤىُ متخذِ القرارِ الإسرائيليِ الذي يعملُ على تبنيِ سياساتٍ متطرفةٍ بغرضِ التنكيلِ بالفلسطينيينَ دونَ اعتبارٍ لمخاطرِ هذهِ السياساتِ على الداخلِ الإسرائيليِ.

قائمة المراجع

الجزيرة، المستوطنون الإسرائيليون جزء من نظام فاسد والعقوبات الغربية تاريخه (2024م) متوفر على: https://www.ajnet.me

الجزيرة، المستوطنون يتوعدون فلسطيني الضفة بنكبة كبرى جديدة (2023م) متوفر على:  https://www.ajnet.me

الجزيرة، تسارع تسليح المستوطنين يثير قلقاً كيف علق الفلسطينيون وإسرائيليون (2023م) متوفر على: https://www.ajnet.me

العربية، وزير الأمن الإسرائيلي يضرب مجدداً ويمدد تسليح المستوطنين (2024م) متوفر على: https://www.alarabiya.net

فاروق، الشيماء أحمد،  نتائج سياسة تسليح المستوطنين وتصاعد الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية وزيادة مستوى العنف والتهجير (2023م) جريدة الشروق، متوفر على: https://www.shorouknews.com

وتد، محمد، بأعداد غير مسبوقة إسرائيل توظف طوفان الأقصى لتسليح مواطنيها اليهود (2023م) الجزيرة، متوفر على:https://www.ajnet.me