أجندة التحرك السعودي في التعامل مع أزمة البحر الأحمر

إعداد: رضوى الشريف

باحث متخصص في شؤون الشرق الأوسط

مع تزايد حال التصعيد الناجمة عن التحركات الأمريكية -البريطانية في اليمن رداً على عمليات استهداف الحوثي للسفن الإسرائيلية أو السفن المتحالفة مع إسرائيل، تتوالى التحذيرات الاقليمية والدولية من تبعات هذه الممارسات وأبعادها التي قد تسمح بانزلاق المنطقة إلى دوامة صراع تصعب السيطرة عليه.

وفي سياق تلك الأحداث الراهنة، أعربت المملكة العربية السعودية عن قلقها المتزايد من التوترات في البحر الأحمر وذلك من خلال تصريحات وزير خارجيتها، الأمير فيصل بن فرحان، الذي صرح في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” الأمريكية، يوم السبت 20 يناير، بأن المملكة تعيش حالة من القلق البالغ نظرًا للتحديات الكبيرة والخطيرة التي تواجه المنطقة، مما يستدعي دعوات ملحة لوقف التصعيد. وأضاف الوزير السعودي بأن المملكة تؤمن كثيرا بحرية الملاحة وهذا شيء يحتاج إلى الحماية.

وتأتي تصريحات الوزير السعودي بعد سلسة الضربات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة وبريطانيا على أهداف للحوثيين في اليمن بداية من مساء الجمعة 12 يناير. كما أعادت واشنطن يوم الأربعاء 17 يناير، جماعة الحوثي إلى قائمة الجماعات الإرهابية مرة أخرى ولكن تحت تصنيف جماعة إرهابية عالمية، ضمن قرار يسري تنفيذه بعد 30 يوماً منذ تاريخ الإعلان.

بالرغم من أن ما يجري من حشد عسكري وتحركات دولية في البحر الأحمر، للتصدي لهجمات جماعة الحوثي، ليس بالتطور الفريد من نوعه، إذ لطالما كانت المضائق البحرية والممرات المائية محلاً للتنافس والنزاع، وخصوصاً في أوقات الصراعات والحروب، ولكن المختلف هنا هو موقف العواصم الخليجية وخاصة الرياض، التي كانت منذ زمن غير بعيد -وتحديدا قبل عام 2020- ستدعم تحركات الغرب ضد الحوثيين. لكن اليوم، فإن الهجمات الغربية المستمرة على الحوثي هو أخر ما تريده الرياض وهي تجري مفاوضات سلام شائكة مع قيادة الحوثيين للخروج لإيجاد مخرج من حرب اليمن، ولتدشين عملية سلام واسعة بين أطراف الأزمة المحليين.

وبدلاً من ذلك، تظل خطوط الاتصال بين السعودية والحوثيين مفتوحة حيث تتجنب الرياض الوقوف علناً إلى جانب واشنطن، خشية أن تصبح هدفاً للهجمات الحوثية، ومن الناحية الأخرى تتخذ السعودية مسارا حذرا لاحتواء أزمة البحر الأحمر، وهو ما يتضح بشكل جلي من خلال تصريحاتها التي تخلو من تنديد مباشر وصريح لجماعة الحوثي، بل تدعو إلى ضبط الأنفس ووقف التصعيد لكل الأطراف.

في الوقت الحالي، يبدو أن هذه الاستراتيجية ناجحة، ولكن يظل السؤال الأهم طرحه: هل ستكون هذه الاستراتيجية كافية لضمان أمن المملكة من هجمات الحوثي على المدى البعيد؟

كيف تشكل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر حجر أساس في صياغة السياسية الخارجية للمملكة؟

على الرغم من مساحة اليابسة الشاسعة لدى السعودية، فإن إقليم المملكة يشير إلى كونها دولةً بحرية بامتياز، إذ تحتل المرتبةَ الأولى من حيث طول الساحل على البحر الأحمر، والثانية على الخليج العربي، ويبلغ طول الساحل السعودي على البحر الأحمر 2400 كم، تبدأ من خليج العقبة شمالاً، وحتى الحدود اليمنية جنوباً.

لذا يُعدّ البحر الأحمر بمثابة العمق الاستراتيجي للملكة، فهو يقع قربَ العديد من المناطق الاستراتيجية التي تمثل امتداداً للأمن القومي العربي عامة، والخليجي بشكل خاص، فهو نظام فرعي في إقليم الشرق الأوسط وقريب من حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي والمحيط الهندي.

 يمثل أمن البحر الأحمر مصلحةً استراتيجية للملكة، ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تهدّد بعرقلة مرور السفن من مضيق هرمز أو حتى التهديد بإغلاقه، فإن السفن السعودية لن تجد عرقلةً كبيرة لوصولها لبحر العرب ومنه للمحيط الهندي، حيث تعتمد الرياض بشكل كبير على البحر الأحمر لنقل النفط غرباً، والوصول إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس، وإلى المحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، وهما من النقاط الاستراتيجية للتحكّم في الملاحة بالبحر الأحمر.

وفي السابق كانت تعتمد دول الخليج وخاصة السعودية على الولايات المتحدة لحمايتها من التهديدات المحيطة بها في المنطقة في إطار معادلة (النفط مقابل الأمن)، ولكن كانت هجمات أرامكو  في عام 2019 التي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها – والتي استهدفت منشأتين نفطيتين رئيسيتين وجعلت المملكة تقوم بإيقاف نصف إنتاجها النفطي مؤقتًا –بمثابة نقطة تحول بالنسبة للسعودية في صياغة سياستها الخارجية؛ حيث تبنت المملكة نهجا مختلفا وجديدا لتعاملها مع الأزمات المحيطة بها، وكان ذلك النهج  مصحوباً بوجود مخاوف وقلق إزاء احتمال تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة، وتخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها المطلوبة، بالإضافة إلى إهمالها للمطالب الخليجية المتعلقة بمواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة، وخاصة تلك الناتجة عن الصراع مع إيران وأذرعها.

لذا سارعت الرياض إلى إعادة ضبط سياستها الخارجية في السنوات الماضية خاصة بعد وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السلطة، بالتركيز على إيجاد مقاربات مستقلة تحمي عمقها الاستراتيجي المتمثل في البحر الأحمر عن طريق تأسيس (مجلس الدول العربية والإفريقية المُطلة على البحر الأحمر وخليج عدن) في يناير 2020، أو عن طريق المحادثات السعودية-الإيرانية التي بدأت في إبريل 2021، واختتمت بالتوقيع على اتفاقية عودة العلاقات بين البلدين بوساطة صينية في شهر مارس 2023، والتي تلاها محادثات ولقاءات علنية ورسمية مع جماعة الحوثي لأول مرة.

كيف تتأثر أسواق النفط من التوترات الراهنة في البحر الأحمر؟

يعد البحر الأحمر ممراً ملاحياً تجارياً حيوياً، حيث يمثل عادة 15 بالمئة من إجمالي التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك 8 بالمئة من الحبوب، و12 بالمئة من النفط المنقول بحراً، و8 بالمئة من الغاز الطبيعي السائل المنقول بحراً.  ومنذ الهجوم الحوثي الأول في 19 أكتوبر تراجعت حركة المرور في البحر الأحمر بشكل كبير.

وفي سياق ذلك، أعلن الرئيس التنفيذي لـ(أرامكو السعودية) أمين الناصر، في مقابلة على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري للتزلج، 17 يناير، أن أسواق النفط العالمية ستتكيف مع اضطرابات البحر الأحمر على المدى القصير، على الرغم من أن الهجمات الطويلة التي يشنها الحوثيون على السفن ستؤدي إلى نقص الناقلات، بسبب الرحلات الطويلة وتأخير الإمدادات. وقال الناصر إنه يتوقع أن تشهد سوق النفط تشدداً، بعد أن استنفد المستهلكون المخزونات بمقدار 400 مليون برميل في العامين الماضيين، وهو ما جعل الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى (وبك+) المصدر الرئيسي للإمدادات الإضافية لتلبية الطلب المتزايد.

وأجبرت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر كثيراً من الشركات على تحويل مسار الشحنات حول أفريقيا.  وقال الناصر بأنه إذا كان ذلك على المدى القصير فقد تكون الناقلات متاحة، لكن إذا كان على المدى الطويل فقد تكون هناك مشكلة، حيث سيكون هناك حاجة لمزيد من الناقلات، وما إذا كان سيتعين عليها القيام برحلة أطول.

مسارات تحرك سعودية حذرة

رغم اعتماد السعودية على موانئ البحر الأحمر فيما يقارب من 36% من الواردات. غير أنّ حالة التهدئة طويلة المدى مع الحوثيين، أهم بالنسبة لمصالحها الاستراتيجية على المدى البعيد، ولا ترغب السعودية أن تُدخل نفسها في حرب استنزاف مع الحوثي، خاصة وأنّ لديها مشاريعها الخاصة وفق رؤيتها 2030، وفوزها بتنظيم إكسبو 2030، وكذلك تنظيمها لكأس العالم 2034.

لذا تتخذ المملكة في الأسابيع الماضية مساراً حذراً في تعاملها مع التوتر الأمني في البحر الأحمر، بشكل أكثر احتواءً للأزمة، وهذا ما يمكن استنتاجه من تحركاتها المتمثلة في الاتي:

  • عدم اتخاذ موقف مشجع وداعم للتحركات الغربية في البحر الأحمر؛ حيث لم تنضم المملكة إلى التحالف البحري الذي شكلته الولايات المتحدة (حارس الازدهار)، في ديسمبر الماضي، بهدف شن عملية عسكرية للرد على الهجمات التي يقودها الحوثيون على السفن المتجهة إلى إسرائيل أو المرتبطة بها في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن.
  • المحافظة على وجود حوار مفتوح مع إيران؛ بالرغم من الدعم الإيراني للحوثي، إلا أن المملكة ترى أن النهج الدبلوماسي والحفاظ على قنوات تواصل مع الجانب الإيراني أهم من اتخاذ مسار تصعيدي، وذلك عن طريق الوصول الى تفاهمات سياسية بين البلدين لتحجيم تحركات الحوثي، أو على الأقل التأكيد بضرورة الوقوف على أرضية مشتركة تلزم الحوثي بعدم المساس من حدود المملكة، في ظل وجود مخاوف ملحة من أن تنجر المنطقة إلى حرب إقليمية قد تنسف المحادثات السعودية-الحوثية.
  • ربط توترات البحر الأحمر بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؛ في حين تبتعد المملكة عن التنديد بأعمال الحوثي في البحر الأحمر، وتكتفي بضرورة ضبط الأنفس، تربط الرياض بأن ما يحدث من عسكرة البحر الأحمر مرتبط في المقام الأول بالحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة. لذا من المهم الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار.

أولويات سعودية ملحة

إن آخر ما يحتاجه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، هو التصعيد الذي قد يعطل السنوات المهمة المتبقية قبل رؤية 2030 المنتظرة بشدة، ونتيجة لذلك، تتبع المملكة استراتيجية حذرة في تعاطيها مع الأزمة في البحر الأحمر، آملةً أن يساهم الحفاظ على قنوات اتصالها مع إيران – من خلال اتفاقها المبرم مع طهران بوساطة بكين – هو المنفذ المناسب لإيجاد مخرج نهائي من حرب اليمن، ولتحقيق سلام شامل بين الأطياف اليمنية. لذلك لا تريد الرياض بأن تسمح للصدام الغربي الحالي مع الحوثيين بإفساد هذا الأمر.

ومنذ عام 2021، تتزايد المفاوضات مع الحوثيين – بوساطة عمانية –. ووصلت الرياض أخيراً إلى نقطة التواصل الفعال معهم، وهو الأمر الذي استغرق سنوات لتحقيقه. وترى المملكة أنه ليس من المجدي تعريض هذه العلاقة للخطر – التي تراها الرياض كافية لحماية حدودها الجنوبية من هجمات الحوثيين – لمجرد دعم العمليات الأمريكية في البحر الأحمر.

وفي نهاية ديسمبر الماضي، قدمت الرياض مسودة اقتراح إلى مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، بهدف إرساء الأساس للمحادثات المستقبلية التي تقودها الأمم المتحدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين. وبحسب ما ورد يتضمن جزء من الاتفاقية منطقة عازلة لحماية حدود السعودية، وهي أولوية قصوى بالنسبة للمملكة، طبقا لمصادر يمنية. كما كانت تضغط السعودية من أجل التوصل إلى اتفاق يتضمن فيما يبدو عن تنازلات كبيرة للحوثيين، بما في ذلك المساعدات الاقتصادية، حيث كانت أحد المطالب الرئيسية للحوثيين هو تحويل الأموال لدفع رواتب الموظفين.[1]

وفي سياق زمني أخر، يعد إعادة تصنيف الحوثيين على اللائحة الأمريكية، يوم 17 يناير، ولكن تحت بند (كيان إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص) – وهو ما يمثل أقل حدة من تصنيفهم منظمة إرهابية- رسالة تحذيرية للحوثيين وتحرك سياسي، أكثر من أي شيء آخر، حيث لا ترغب الولايات المتحدة في تنفيذ العقوبات بطريقة تزيد من صعوبة الوضع الإنساني المتأزم بالفعل في اليمن، ومن الناحية الأخرى يبدو أن الرياض توصلت إلى تفاهمات غير معلنة مع الجانب الأمريكي قبل الإعلان عن تصنيف الحوثي تحت هذا البند، حيث ذلك التصنيف لن يمنع من إجراء محادثات سعودية حوثية في وقت لاحق، كما أن المهلة الزمنية التي حددتها واشنطن لتنفيذ القرار سيسري خلال 30 يوما، إذا أوقفت جماعة الحوثي هجماتها في البحر الأحمر، وفي هذه الحالة قد ترفع واشنطن هذا التصنيف.

لذا يبدو أنه في المحصلة النهائية، تسعى السعودية إلى بذل كل ما في وسعها لتجنب الانجرار إلى الصراع مع الحوثي، ومن الناحية الأخرى تسعى إلى تحجيم تهديدات الحوثي في البحر الأحمر ولكن بشكل حذر جدا يبعدها تماما عن الاصطدام معهم؛ فأولوية الرياض هي التأكد من أن قوات الحوثيين لن تبدأ في إطلاق الصواريخ على أهداف سعودية خصوصا وأن المزيد من هذه الأهداف الآن بالقرب من اليمن كمشاريع سياحية جديدة تم الإعلان عنها.

أسوأ سيناريو

إن أسوأ سيناريو تخشاه المملكة هو أن تصبح في موقف صعب، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بعد؛ فما هو موجود هو مجرد اتفاق هش يمكن أن ينهار في أي لحظة، ولا يوجد ما يمنع الحوثيين من استهداف المملكة – في البحر الأحمر أو حدوده – في المستقبل، في غياب اتفاق سلام رسمي.

ويزداد هذا الاحتمال مع مخاوف من تصاعد الوضع، حيث يجدر بالذكر أنه بعد ساعات فقط من الموجة الثانية من الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا، يوم 13 يناير، أجرى الحوثيون مناورة عسكرية على طول الحدود السعودية، وكانت بمثابة تحذير للمملكة بشأن العواقب المحتملة للانحياز إلى الولايات المتحدة. طبقا لوسائل إعلام تابعة للحوثي.

ومما يزيد الأمور تعقيدًا أنه إذا قررت الرياض استئناف محادثات التطبيع مع إسرائيل، فقد تصبح المملكة مرة أخرى هدفًا رئيسيًا للحوثيين.

وإذا استمرت الولايات المتحدة وبريطانيا في ضرب اليمن، فقد يصعد الحوثيون أكثر، كما هددوا بالقيام بذلك، من خلال استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك في البحرين أو حتى في عواصم الخليج التي يرونها متوافقة مع إسرائيل.

على أقل تقدير، فإن مثل هذه الهجمات من شأنها أن تعرقل محادثات السلام في اليمن تمامًا، وتقد تجعل المملكة تلجأ إلى خيار تصعيدي – سيناريو مستبعد- قد يؤدي إلى إغراق اليمن في حرب إقليمية أكثر تعقيدًا.

وفي الختام:

يمكن القول بأن الخيارات أمام السعودية في اليمن أصبحت فيما يبدو محدودة. رغم أن استراتيجية فصل القضيتين (الأزمة اليمنية – وأزمة بحر الأحمر) قد حافظت على أمن الرياض حتى اللحظة، إلا أن هذا النهج لا يعدو كونه حلًا مؤقتًا، في ظل غياب اتفاق سلام شامل ورسمي.

المصادر:

[1] [1] شاكر أحمد خالد، “منطقة عازلة في الحدود.. هل تحمي السعودية من ابتزاز وهجمات الحوثيين؟”، متاح على الرابط الاتي: https://shorturl.at/iW138

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع