تداعيات داخلية: قراءة في أزمة الغاء مباراة السوبر التركي في السعودية

إعداد: أحمد محمد فهمي

باحث متخصص في الشؤون التركية والإقليمية

في العاشر من أكتوبر الماضي تم توقيع بروتوكول بين الاتحادين السعودي والتركي لكرة القدم لإقامة مباراة كأس السوبر التركي في العاصمة السعودية “الرياض” في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر الماضي بين فريقي “جالاطة سراي” بطل الدوري الممتاز و”فنربهتشه” بطل كأس تركيا. وقبل عشرة أيام من المباراة، قام مسؤولو اتحاد كرة القدم التركي بزيارة للمملكة العربية السعودية، وعقدوا اجتماعات مع نظرائهم السعوديين، ولم تكن هناك أي معوقات تقف أمام تنظيم البطولة في الرياض.

ومع ذلك، وقبل انطلاق المباراة بقليل، تم إلغاؤها، لتكشف مصادر إعلامية أولية أن سبب إلغائها يعود إلى جدل متعلق بـ “رموز جمهورية تركيا”، وعدم إذاعة النشيد الوطني التركي، إلى جانب عدة ادعاءات أخرى التي أفضت بالنهاية إلى عدم إقامة المباراة.

الغاء المباراة: الأسباب وخلفيات القرار

على الرغم من توقيع البروتوكول الذي ينظم المباراة والذي يتضمن جميع مراحل تنظيم الحدث من قبل جميع الأطراف المعنية، إلا أن الفريقين التركيين “جالاطة سراي” و”فنربهتشه” خططا قبل بداية المباراة بساعات للنزول إلى الملعب والتحمية، بارتداء لاعبوهم سترات عليها صورة “أتاتورك”، وهما يحملان لافتَتين: واحدة تحمل شعار أتاتورك: «سلام في الوطن سلام في العالم»، وأخرى عليها شعار آخر لأتاتورك: «هنيئاً لمن يقول أنا تركي»، فضلاً عن رفع صوره، وذلك في ظلّ أجواء الاحتفال المرافقة لمئوية إعلان الجمهورية التركية.

لكن السلطات السعودية رفضت هذه المطالب واعتبرتها مخالفة لما تم الاتفاق عليه مسبقًا، كما رأت أنها تتنافى مع قوانين الاتحاد السعودي ولوائح الفيفا التي تمنع رفع الشعارات السياسية في المباريات، وبعد اصرار مسؤولو الفريقَين على برنامجهم الاحتفالي، ذلك أن المناسبة تركية وتحمل تحية لمؤسّس الجمهورية، فقد رفض الفريقان النزول ولعب المباراة، وبعد عدم التوصل إلى اتفاق تم إلغاء المباراة.

ليعلن الاتحاد التركي لكرة القدم، في بيان، تأجيل مباراة كأس السوبر التركي إلى موعد لاحق بسبب مشاكل تنظيمية. وأوضح البيان أن قرار التأجيل تم باتفاق مشترك بين الاتحاد وناديي جالاطة سراي وفنربهتشه.

في المقابل، أوضح بيان لــــ “موسم الرياض” السعودي، بأن المباراة “تأجلت” بسبب عدم الالتزام بالأنظمة والتعليمات المتفق عليها من جانب الفريقَين التركيّين، وأنه كان هناك تطلع لإقامة المباراة في موعدها وفق اللوائح والأنظمة الدولية لكرة القدم، التي تقتضي تقديم الرياضة دون أي شعارات خارج نطاقها، خاصة أنه تمت مناقشة ذلك مع الاتحاد التركي في إطار الاجتماعات التحضيرية للمباراة؛ إذ تم التشديد على ضرورة التقيد بما تقتضيه التنظيمات الخاصة بهذه المباراة وفقًا للوائح والأنظمة الدولية، كما تم الاتفاق على عزف النشيد الوطني للجمهورية التركية، وإبراز العلم التركي داخل الملعب في المدرجات تقديرًا للمكانة التي نحملها للجمهورية التركية. وعلى الرغم من ذلك التوافق إلا أنه كان مؤسفًا عدم التزام الفريقين بما تم الاتفاق عليه؛ وهو ما أدى إلى عدم إقامة المباراة.

ردود الفعل التركية

خرجت ردود أفعال أحزاب المعارضة وأنصار «الأتاتوركية» سريعة ومتصاعدة، وخاصة من حزب الشعب الجمهوري، الذي أسسه أتاتورك، والذي لا يزال يعتبر واحدًا من أبرز المؤسسات التي ما زالت تتبنى أفكار المؤسس، وملتزمًا بمبادئه نحو الجمهورية التركية وفصلها عن ماضيها العثماني مع تبني التقاليد الغربية.

بالتالي، كانت ردود فعل الحزب وغيره من تكتلات المعارضة داعمة للفريقين التركيين، ووصلت إلى حد وصف رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، لما قام به الناديان بأنهما قد حميا شرف تركيا، كما تم اتهام رئيس اتحاد كرة القدم التركي والذي كان حاضراً في المباراة، بأنه تساهل بتقبّل المطالب السعودية بمنع صور أتاتورك وشعاراته، والمطالبة باستقالته بتهمة “التفريط بالحساسيات الوطنية”.

ولاحقًا وبشكل سريع ومنظم، نظم حزب الشعب الجمهوري عدة فعاليات كرد فعل على الأزمة. فقامت إدارة بلديات أنقرة واسطنبول التي تتبع لحزب الشعب الجمهوري، بتزيين الشوارع بالعلم التركي، ردًا على شائعة “عدم السماح برفع العلم التركي في الرياض”، وأضافت إدارة بلدية إسطنبول الكبرى، بتشغيل الأغاني الوطنية في وسائل النقل العامة، ووضعت عبارة “السلام في الوطن، السلام في العالم” على لافتات الحافلات. بالإضافة إلى ذلك، قامت بلديات أخرى تابعة لحزب الشعب الجمهوري بتمديد خدمات المترو والحافلات حتى الصباح، ودعت المواطنين للخروج لاستقبال الفرق التركية.

ودعا رئيس بلدية إسطنبول “أكرم إمام أوغلو” الأهالي إلى ميدان بارباروس في حي بشكتاش، للمشاركة في احتفال يتخذ شعار العلم التركي وصور أتاتورك وأعلام الأندية الرياضية. أيضًا، دعت فرع حزب الشعب الجمهوري في أنقرة الجماهير الخاصة بفنربهتشه وجلطة سراي إلى زيارة ضريح أتاتورك ضمن فعالية “ارتدي قميصك وتعال إلى قائدنا”.

وانطلاقاً من كل ما سبق، اقترح البعض من السياسيين ألا تقام المباراة مجدداً، وأن تُقدّم كأسان لكل فريق، أو أن تقسم الكأس إلى قسمين ويمنح قسم لكل نادٍ. وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، وقال إن أتاتورك كان الطرف الثالث في الحادثة، وقدّموا اقتراحاً بتقسيم الكأس إلى ثلاث قطع، واحدة لكل نادٍ، والثالثة توضع في ضريح أتاتورك في أنقرة. أما البعض الآخر، فقد اقترح تسمية الكأس من الآن فصاعداً بـ«كأس أتاتورك».

أما من الجهة الأخرى، كانت ردود الفعل الرسمية تسعى إلى مراعاة حساسية المشاعر الوطنية تجاه أتاتورك وقيم الجمهورية التي تأسست عليها تركيا، بالتوازي مع محاولة الكشف عن عمليات التضليل والاتهامات والادعاءات التي دفعت بالأزمة إلى الواجهة. ومن ناحية أخرى، سعت إلى الحفاظ على العلاقات مع السعودية دون إعادتها إلى مرحلة الخلافات بعد إغلاق صفحة أزمات الماضي.

وهو الموقف الذي تجسد في تصريحات الرئيس أردوغان، فمن ناحية قام بانتقاد استغلال المعارضة وأنصارها للقضية لتحويلها الى أزمة سياسية، فأشار إلى أن تحويل الرياضة إلى أداة للمنافسة السياسية اليومية، مهما كان السبب، أمر خاطئ ولا يعود بالفائدة على الرياضة التركية، ووصف تصريحات أحزاب المعارضة التركية في هذا الصدد، بأنها أمثلة جديدة على سياسة الاستغلال، ولفت إلى أن المعارضة لا تظهر للعلن في أي قضية تصب في مصلحة الوطن والشعب والديمقراطية التركية.

لكن وفي مواجهة غضب أنصار أتاتورك، أكد أردوغان بأن الجمهورية قيمة مشتركة لجميع أفراد الشعب التركي، وأن مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس هذه الدولة، ليعرب عن استنكاره للإساءة غير الأخلاقية تجاه معتقدات الناس وقيمهم المقدسة، وخاصة باستخدام حدث مؤسف، وأنه لم ولن يتردد في اتخاذ أي خطوة يتعين اتخاذها.

شبهات حول حملة ممنهجة

انتشرت العديد من الادعاءات قبل وأثناء وعقب انتهاء الأزمة، والتي تشير في مجملها الى أن هناك العديد من المحاولات لعدم إقامة السوبر التركي في السعودية، منها أن رئيس نادي فنربهتشه «على كوتش» كان قد تعرض لانتقادات بسبب موافقته على خوض مباراة كأس السوبر في المملكة العربية السعودية. وعلى هذا الأساس، زعمت الادعاءات أن كوتش قام بخلق أزمة عمدًا من خلال المطالب الطارئة في اللحظات الأخيرة، وأفاد المسؤولون السعوديون الذين التقوا بالمسؤولين التركيين بأن “على كوتش لا يبدو أنه يرغب في أن تُلعب المباراة”.

كذلك انتشرت شائعة قبل المباراة بأن السعودية رفضت قبل انطلاق المباراة إنشاد النشيد الوطني التركي، ورفْع الأعلام التركية، لكنها عادت ووافقت على ذلك. وتبيّن أن اتفاق “اتحاد كرة القدم التركي” مع السعودية، كان يتضمّن إنشاد النشيد الوطني التركي، على رغم أن المباراة لم تكن «وطنية»، أي خاصّة بالمنتخب التركي.

وعقب المباراة الملغاة وخلال هذه الأحداث، انتشرت شائعة على وسائل التواصل الاجتماعي بأن “طائرات الفرق تم اختطافها”، وهو ما ساعد على تحفيز الأتراك ضد السعودية، ولكن تبين أن الطائرات لم تتعرض للاختطاف وكانت متأخرة بسبب وجودها في مدينة قريبة من الرياض.

بالتالي، وفي ظل تصاعد تلك الادعاءات أصدر مركز مكافحة التضليل التابع لرئاسة الاتصالات في تركيا نداءً لعدم الاعتماد على التضليل الذي يتم تنفيذه عبر قضايا قومية وحساسيات مشتركة للشعب بخصوص مباراة كأس السوبر التي تم تأجيلها، وأشار البيان إلى وجود تلوث معلوماتي كثيف في الداخل والخارج بشأن المباراة المؤجلة.

حملات عنصرية جديدة ضد العرب

استنادًا إلى تفسيرات “الأتاتوركيين” التي تشير إلى أن إلغاء مباراة السوبر يُعتبر نموذجًا لـ “العداء السعودي لمصطفى كمال أتاتورك”، فضلاً عن “كراهية السعودية لكل ما هو تركي”، انتشرت انتقادات وتعليقات على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت حملات سخرية وعنصرية من السعودية بشكل خاص والعرب بشكل عام. ولاحقًا، قادت هذه التعليقات العديد من أصحابها – وفقًا لتوجيهات حزب العدالة والتنمية – إلى القضاء بتهمة التحريض على العلاقات بين البلدين.

وقد تحول “الإشكال الرياضي” الذي شهدته الرياض إلى قضية “شعور وطني” تركي جامع وتصعيد ممنهج من قبل المعارضة ضد السعودية، فدعا حزب الشعب الجمهوري المعارض، إلى التجمعات، وتم وضع لافتات تحمل صور “أتاتورك” وكذلك “فخر الدين باشا”، الذي كان آخر الأمراء العثمانيين في المدينة المنورة قبل نجاح الثورة العربية الكبرى في السيطرة على المدينة. وتمّ ذلك في الشوارع التي تضم السفارة السعودية في العاصمة أنقرة والقنصلية العامة السعودية في إسطنبول، وقامت مجموعة من المشجعين بفتح لافتات عدائية تجاه العرب أمام المقرات الدبلوماسية السعودية.

وتأتي هذه الحملة كموجة جديدة من حملات العنصرية الموجهة ضد العرب والتواجد العربي في تركيا، ضد ما تراه اعتداء ضد القيم والرموز الوطنية، والتي شهدت خلال فترات ماضية انتشار العديد من الحوادث العنصرية، كأحد التأثيرات الناتجة عن نتائج الانتخابات العامة في مايو الماضي، وكذلك من حملات الترويج لليمين المتطرف واتهام العرب وتواجدهم في تركيا بالتسبب في التدهور الاقتصادي والاجتماعي في بلادهم، وأيضًا على دور بارز للعرب المجنسين حديثًا الذين حصلوا على الجنسية التركية، بالتصويت لصالح أردوغان في الانتخابات الرئاسية ولصالح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية.

التأثيرات على انتخابات البلدية القادمة

بعد بداية الحملات التمهيدية لانتخابات البلدية خلال الشهور الماضية، ولمواجهة التحالف الحاكم، أثارت أحزاب المعارضة العديد من التحديات التي تواجه المواطن التركي نتيجة سياسات حزب العدالة والتنمية. وعلى الرغم من ذلك، تمكن أردوغان من تنفيذ مجموعة من الخطوات للتعامل مع تلك التحديات، وأبرز تلك الخطوات هي عمليات ترحيل اللاجئين كجزء من استعداداته لانتخابات البلدية.

ولكن بعد أزمة الغاء مباراة السوبر في الرياض، وسواء كانت مفتعله أم لا، لكن أحزاب المعارضة استطاعت استغلالها كورقة جديدة في دعايتها الانتخابية عبر التلاعب بمشاعر مؤيدي مؤسس الجمهورية أتاتورك وكـذلك المؤيدين لليمين المتطرف والذين لديهم موقف عدائي من العلاقات التركية مع دول العالم العربي.

وتعتبر ولاية إسطنبول الأهم في المعركة الانتخابية القادمة، حيث يسعى حزب العدالة والتنمية إلى استعادتها من جديد، بينما يسعى حزب الشعب الجمهوري ورئيس البلدية الحالي أكرم إمام أوغلو للحفاظ عليها، خاصة في ظل الانقسام الحاصل في أحزاب المعارضة بعد خسارة التحالف في الانتخابات الرئاسية السابقة.

هل من تأثيرات محتملة على العلاقات مع السعودية؟

قبل الأزمة، كانت هناك حملات استنكار ضد اختيار السعودية لإقامة مباراة السوبر، مع النظر إلى توقيت المباراة في ظل احتفالات مئوية الجمهورية التي أسسها أتاتورك والتي يرفض المسؤولون السعوديون، بمن فيهم الملك، زيارة ضريحه. ومع ذلك، أوصى المسؤولون الأتراك بلعب المباراة في الرياض.

أما خلال الأزمة، فقد وجهت العديد من الأطراف التركية، كوسائل الإعلام وأحزاب المعارضة وجماعات اليمين المتطرف، وغيرها، اتهامات إلى السعودية بأنها “تلاعبت” بالشعور الوطني لبلادهم، وأشارت انه إذا كان أحد أهداف تنظيم المباراة هناك هو أن تكون عامل دعم للعلاقات السياسية بين البلدين، إلا أن الأمر قد انتهى بالعكس من ذلك، ونشأت مشكلة نتيجةً لهذا القرار.

لكن من جهة الرئيس أردوغان، فقد أكد على عدم وجود تأثيرات على العلاقات بين أنقرة والرياض نتيجة لهذه الأزمة، ووصفها بأنها محاولة غامضة للتخريب تستهدف تركيا ومصالحها، وقد قيم الأحداث في المملكة العربية السعودية على أنها محاولة لتدمير العلاقات مع الدول الشقيقة. واتهم المعارضة بالمشاركة في تمثيل دور خطير في سياسة الكراهية بشكل طوعي، خاصة بعد تنفيذ حملة في أشهر الصيف لتشويه صورة السياحة، بالتالي فهو يرى أنه يتم الآن تنفيذ محاولة مماثلة عبر الرياضة.

وختامًا:

تتجلى من جديد سياسات المعارضة من استغلالها للأزمات وتحويلها الى فرص لكسب مساحات تواجد أكبر داخل الشارع التركي، وبالرغم من تشددها وتأكيدها على تمسكها بالقيم والأفكار “الأتاتوركية” في العديد من المناسبات، إلا أنها قد بالغت في ردة فعلها، وحولت مسار “إشكال” رياضي على صعيد مخالفات بروتوكولية الى أزمة داخلية وربما كانت قد تتحول الى أزمة دبلوماسية.

أذ أن ردة الفعل الصادرة من المعارضة تعتبر مبالغة، خاصة إذا تم مقارنتها بأزمة حجب منصة “ديزني” الأمريكية لمسلسل “أتاتورك” بناءً على حملة احتجاج من اللجنة الوطنية الأرمينية الأميركية، حيث كانت ردة الفعل البارزة حينها تجاه التعامل مع هذه القضية هو من جانب حزب العدالة والتنمية.

المعارضة التركية بحاجة إلى إدراك أن تحويل بعض القضايا الخلافية مع الحزب الحاكم إلى أزمات داخلية يمكن أن يؤدي إلى تشويش في الساحة السياسية التركية، فتلك التوترات قد تتصاعد إلى مستويات قد تؤدي إلى أزمات دبلوماسية غير مرغوب فيها، وهو ما سينعكس سلبًا على صورة البلاد في المجتمع الدولي.

المصادر:

بوادر أزمة جديدة مع السعودية تداعيات مباراة «السوبر التركي» مستمرة، الأخبار اللبنانية، متاح على: https://2u.pw/qvL4gc9.

Süper kriz böyle geldi, yeni şafak gazetesi, https://2u.pw/pFE742U.

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع