كيف يتم توظيف عملية التجريد من الإنسانية لتبرير الإبادة الجماعية: دراسة حالة الحرب في غزة

إعداد: مروة سماحة

المقدمة:

“غزة تحوَّلت إلى معسكر اعتقالٍ، يجرى فيه إبادة جماعية” هكذا صرَّح رئيس جنوب أفريقيا (سيريل رامافوزا) على ما يحدث في قطاع غزة، عقب هجوم السابع من أكتوبر، الذي شنَّته حماس على إسرائيل؛ حيث الحصار الجوي والبحري المُروِّع والقصْف بالقنابل المُحرَّمة دوليًّا، بشكلٍ لا هوادة فيه؛ ليشمل المستشفيات والمدارس، ناهيك عن قطْع الكهرباء والماء والوقود وتحديد دخول الإمدادات الخارجية، بشكلٍ يجعل الهلاك هو الخيار الوحيد أمام شعب غزة؛ وجرَّاء ذلك راح ضحية الحرب – حتى الآن – ما يزيد عن 16 ألف مدني؛ معظمهم من الأطفال والنساء، وهي لم تتجاوز بذلك الشهريْن، بشكلٍ جعل الكثير من المسؤولين من كافَّة الدول يُوجِّهُون اتهامات عدة لإسرائيل، بارتكابها جريمة العقاب الجماعي، والإبادة ضد سكان غزة؛ استنادًا على نصوصٍ من القانون الدولي الإنساني.

وفي 18 أكتوبر، نشر مركز Genocide watch  تقريرًا بعنوان ” إنذار طارئ بشأن الإبادة الجماعية في غزة”، وهذا المركز يعمل على مراقبة عمليات الإبادة الجماعية، كما يدل عليه اسمه، ووضع سياسيات للحدِّ منها، وفي ثنايا التقرير، تناول المركز محاولة إسرائيل المستمرة؛ لتجريد سكان غزة من إنسانيتهم؛ للحثِّ على إبادتهم بشكلٍ مُبرَّر، ومن ذلك المنطق، سيتم البتُّ في العلاقة الشرطية بين التجريد من الإنسانية والإبادة الجماعية، وتطبيق تلك الحالة على نموذج الحرب بغزة.

أولًا: نبذة عن ارتباط عملية التجريد من الإنسانية بشرعنة الإبادة

بدايةً، لا تُعتبر عملية الإبادة الجماعية في ذاتها قرارًا يُتَّخذ بين ليلةٍ وضحاها، ولكنها عملية تكتيكية مُرتَّبة، وهذا ما أشار إليه الدكتور جريجوري ستانتون رئيس مركز genocide watch؛ حيث أكَّد أن عملية الإبادة الجماعية تحدث بشكلٍ تطوُّريٍّ في عشر مراحل، ويمكن التنبؤ بها، كذلك شدَّد أن عملية الإبادة ليست خطية، ولكن  كل مرحلة من الممكن أن تُشكِّلَ عمليةً في حدِّ ذاتها، وهي كالآتي:  التصنيف، الترميز، التمييز، التجريد من الإنسانية، التنظيم، الاستقطاب، الاضطهاد، الفصل العنصري، الإبادة، الإنكار.

وتُشكِّلُ مرحلة التجريد من الإنسانية، أو نزعها هي السِّمَة الغالبة على كافَّة الإبادات الجماعية التي شهدها التاريخ؛ حيث يلجأ إليها البشر كحِيَلٍ نفسيّة؛ لممارسة كُلِّ أشكال العنف والتعذيب على الآخرين، دون أدنى إحساس بالذنب والمعاناة، فهم ليسوا مجرد أعداء، بل هم مجردون من الإنسانية؛ لذلك قتلهم ومحاربتهم أشبه بمكافحة الآفات؛ كوسيلةٍ للتخلُّص منها.

وهذا ما فسَّره دكتور الطب النفسي David livingstone smith  في كتابه Less than human ، ولم يكتفِ بذلك فقط، بل ذكر عِدَّة أمثلة لاستخدام تلك الحيلة النفسية؛ لتبرير الإبادة والعنف؛ كتشبيه النازيين لليهود بالفئران، ونظرة جماعات الهوتوس في رواندا الوحشية للتوتسيس باعتبارهم صراصير، ونظرة الأوروبيين الدنيئة للأفارقة والهنود الحمر لعصور طويلة جدًّا، التي كانت تُبرِّرُ قتلهم، وكذلك استعبادهم، بدون أيِّ مظهرٍ من مظاهر الإحساس بالاستياء، ناهيك عن دخول السوفيت ألمانيا 1941، وممارسة الاغتصاب والقتل، تحت وصف الألمان بأنهم حيوانات، وأكَّد الكاتب، أن الأمر لم يكن مُجرَّد تشبيهٍ مجازيٍّ، بل كانت تلك التشبيهات تؤكد على نظرتهم الفعلية؛ لذلك فإن عملية نزْع الإنسانية ترتبط بشكلٍ كبيرٍ بتصاعُد أعمال العنف، ناهيك عن ما ينتُجُ عنه من إبادة جماعية.

ثانيًا: مظاهر تجريد الإسرائيليين الفلسطينيين من إنسانيتهم

لقد لعبت الآلة الإعلامية الصهيونية، بتلك الاستراتيجية، منذُ بداية الحرب؛ حيث وصف “نتنياهو” غزة، بأنها “مدينة الشر”، واعتبار حربه على غزة “حرب النور ضد الظلام” قائلًا: “نحن أبناء النور، بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام”، كما صرَّح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت: “نحن نقاتل ضد حيوانات”، وقال وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير: “إن الشيء الوحيد الذي يحتاج إلى دخول غزة، هو مئات الأطنان من المتفجرات”، وقد تمَّ تشبيه الفلسطينيين بـ “الجرذان أو الثعابين” على حسابات السوشيال ميديا الإسرائيلية، كل هذه التصريحات هي أمثلة واضحة على هذه الاستراتيجية، والتي تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وبنفس الوقت تبرير جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وبالتوازي مع التصريحات الإسرائيلية، قام العديد من الصحفيين والسياسيين، بتعميم معلومات كاذبة، دون تقديم أيِّ أدلة حول هجوم حركة حماس على مستوطنات غلاف غزة، مفادها؛ أن الحركة “قطعت رؤوس ٤٠ طفلًا” و”اغتصبت النساء”؛ بهدف تصوير الفلسطيني “باعتباره خطيرًا وهمجيًّا ومُفْرِطًا في الجنس” بشكلٍ يُشَيْطِنُ السكان، ويصبح من اليسير تبرير سوء معاملتهم وتعنيفهم، بل وقتلهم، وبالفعل هذا ما حدث، فبعد موْت أكثر من 16 ألف فلسطيني، لا يزال العالم يرى أن إسرائيل لديها الحق الكامل في الدفاع عن نفسها، ولم ينادِ أحدٌ بوقْف إطلاق النار، أو التنديد بأرواح الضحايا، بل حتى لم يحظَ الفلسطينيون بأيِّ درجةٍ من التعاطُف الغربي.

وفي عالم تبُثُّ فيه جميع التليفونات المحمولة مقابر جماعية، يدفن فيها الآلاف، كأنه مشهد لنهاية العالم، لا يبالي المعظم بشيء، ولا يجرؤ بإدانة إسرائيل، وإبداء التعاطُف مع الفلسطينيين.

ثالثًا: كيف يوظف الكاريكاتير الغربي كآلة لنشر الكراهية والعنف ضد الفلسطينيين؟

في يوم 11 نوفمبر، حينما كانت إسرائيل تمارس استهدافها المُتعمَّد لقصف المستشفيات والمدنيين على مسمعٍ ومرأى من العالم، نشر مايكل راميرز، الحائز على جائزة “بوليتزر” مرتيْن، في جريدة Washington post كاريكاتيرًا بعنوان ” أذرع بشرية”، ويُصوِّرُ الرسم الكاريكاتيري رجلًا بملامح وحشية يرتدي بدلةً مخططةً داكنةً، وقد كُتبت عليها حركة حماس بأحرف بيضاء غامقة، وكالمعتاد يبرز أنفه الكبير بشكلٍ هزلي من تحت عينيه الغائرتيْن المتوجتيْن بحواجب كثيفة، يقف أمامه العديد من الأطفال وامرأة عربية ترتدي العباءة، وتبدو عاجزةً ومقيدةً بجسده، على يساره العلم الفلسطيني وعلى يمينه صورة جزئية للأقصى، وبالطبع مصباح زيت، ولكن لما أثاره هذا الرسم الكارتوني من غضبٍ كبيرٍ، واتهامٍ للصحيفة بالتحريض على العنف تمَّت إزالته فورًا.
وفي إطار استخدام الكاريكاتير للتجريد من الإنسانية، كتب الباحث نايك هاسلام في دراسته التاريخية، حول التجريد من الإنسانية، أن من بين فئات التجريد من الإنسانية، عن طريق الصُّور، هو  تصوير العدو على أنه بربري ومجرم ومتحرش بالنساء والأطفال؛ وذلك لضخِّ مشاعر من الاستنفار والاستياء في نفس المُتَلَقِّي.

وهي لم تكن المرة الأولى التي يحاول مايكل راميرز فيها نزْع إنسانية الفلسطينيين، ففي عام 2018، وهو نفس العام الذي اندلعت فيه مسيرة العودة الكبرى الفلسطينية – عندما قتل القناصة الإسرائيليون 266 متظاهرًا غير مسلح، وأصابوا عشرات الآلاف آخرين بالشلل – رأى السيد راميريز، أنه من المناسب رسم كاريكاتير يظهر موْجةً من الفئران، تحمل الأعلام الفلسطينية، وتحت النار يندفعون من الهاوية، بينما يلومون إسرائيل على مصيرهم، وهذا أمر يعكس انهيارًا في البوصلة الأخلاقية، ومحاولة مُسيَّسة لمنْع تعاطُف المُشاهِد مع الفلسطينيين، بل لكي تغْلُب عليه مظاهر النفور والاستياء من النظرة الأولى.
والجدير بالذكر، أن الرسم الكرتوني – قديمًا – ما كان يُستخدم في نزْع الإنسانية عن العدو، وليس بظاهرة جديدة من نوْعها؛ وهذا الطريق سلكه التيار النازي بألمانيا، بتصوير اليهود بأنهم فئران، وفي صور أخرى يكون الرجل اليهودي قصيرًا، وذا عيْن مستديرة وأنفٍ مستديرةٍ أحيانًا ومعكوفةٍ أحيانًا أُخرى، كذلك استخدمت أمريكا والمملكة المتحدة الرسوم الكرتونية، في أواخر القرن الـ19؛ لنزْع إنسانية المهاجرين الأيرلنديين بتصويرهم كوحوش، ولا تزال الرسوم الكرتونية من حين لآخر تُستخدم في تصوير الأمريكان السُّود على أنهم قردة، والهدف في تلك السياسة بسيط بقدْر ما هو ماكرٌ وفعَّالٌ، وهو ربْط الشخصية بالمظهر، ثمَّ التأكُد من أن المظهر المذكور بَشِعٌ.

ختامًا:

يمكن القول: إن ممارسات التجريد من الإنسانية بكافَّةِ فئاتها ليست وليدة اللحظة، ودومًا ما كانت استراتيجية تنتهج لتصوير العدو بأنه ليس ببشرٍ؛ حتى تكتسب شرعية تُبرِّر ممارساتها لكافَّة أشكال العنف تجاهه، وهذا للتوِّ ما يفعله الكيان الصهيوني مع الشعب بغزة، بتشبيههم بالحيوانات البشرية وغيرهم من التشبيهات المهينة، التي تنتزع إنسانيتهم، وهذا ما تفعله أيضًا آلة الإعلام الغربي من تزييفٍ للحقائق، وتوظيف الرسوم الكرتونية؛ للحثِّ على القتل وتبريره، وبالرغم من كل ذلك السوء، فإن هناك ملايين الأصوات والمتظاهرين حول العالم، لا يزالون يمثلون صوْت الضمير البشري الحي، وينددون بالإبادة الجماعية في غزة، ويطالبون بوقْف إطلاق النار الفوريّ.

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع