مصير الانتخابات الليبية في ظل الخلاف حول الموعد والضمانات 

حسناء كمال تمام

مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الليبية، ظهرت حالة من الانقسام بين أطراف الصراع الليبي حول موعد وضمانات إجرائها، بجانب الخلاف على بعض المواد التي أقرها مجلس النواب الليبي، كمواد حاكمة للعملية الانتخابية، سواءً من الناحية الإجرائية أو من الناحية الموضوعية؛ ما أثار التخوفات حول مصير العملية الانتخابية في ليبيا، هل ستجرى في موعدها أم لا، وعن إمكانية أن يجرى توافق بين الأطراف بشأنها.

أولًا: انقسام بين السلطات الرسمية حول موعد الانتخابات وضماناتها

بدأ ذلك الخلاف حين عدَّل مجلس النواب الليبي موعد الانتخابات المرتقبة، فبدلًا من عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معًا في ٢٤ ديسمبر المقبل، أصدر قرار بإجراء الانتخابات الرئاسية بموعدها، وتأجيل الانتخابات التشريعية إلى يناير المقبل، على أن يعتمد انتخاب الرئيس الجديد من طرف مجلس النواب الحالي.

من ناحية أخرى، اعترض مجلس الدولة على القوانين التي سنها مجلس النواب الليبي، وأبرز ما أثار اعتراضه، المواد المتعلقة بانتخاب رئيس الدولة، ويرى أنها غير محددة ولا واضحة الشروط عن المرشحين، كما يرى مجلس الدولة أن مواد القانون لم تحدد مهام الرئيس؛ ما يجعل صلاحياته مطلقة، كما انتقد المجلس الأعلى للدولة السماح للمرشحين العسكريين بالمشاركة، وقبول عودة المرشح السابق لمنصبه السابق بحال عدم فوزه بالانتخابات، واعتبر المجلس الأعلى للدولة أن البرلمان أصدر هذا القانون دون الالتزام بنص المادة 23 من الاتفاق السياسي الليبي، والتي تلزم مجلس النواب بالاتفاق مع مجلس الدولة حول هذا القانون.

دخل المجلس الرئاسي على خط الأزمة، وأعلن نائب رئيس المجلس الرئاسي إطلاق مبادرة، ترتكز بضرورة جمع مجلسي النواب والدولة لحل المختنق القانوني، وتحقيق شرط التوافق بإصدار التشريعات والقوانين اللازمة، وفق ما نص عليه الاتفاق السياسي وخريطة الطريق بملتقى الحوار السياسي الليبي، مؤكدًا أن المبادرة تساعد الأطراف السياسية لتحقيق الوصول إليها.

الآن يجري الخلاف بشأن الانتخابات حول موضوعين رئيسيين، الأول، مرتبط بإجراء الانتخابات النيابية والرئاسية معًا، وكذلك حول التوافق أو عدمه بين الغرفتين التشريعيتين.

أطراف الخلاف الأول، هم مجلس النواب الليبي بشكل أساسي، وفي المقابل المفوضية العليا للانتخابات، تريد المفوضية التي أعلنت فتح باب الترشح لانتخابات مجلس النواب والانتخابات الرئاسية، إلتزامها بإجراء الانتخابات بموعدها، ويؤيد المفوضية بالإبقاء على الانتخابات بموعدها دون تأجيل المبعوث الأممي في ليبيا وجامعة الدول العربية.

يجرى تداخل الخلاف حول موعد الانتخابات، وبين الخلاف حول مواد قانون الانتخابات، فهناك محاولة جديدة لإعادة تشكيل التحالف بين المؤسسات المختلفة، بما يعزز مواقف الطرفين الرئيسيين المختلفين، وهناك تخوف من  قرار المفوضية العليا للانتخابات بشأن إجراء الانتخابات بموعدها، وهو ما يعتبره مجلس النواب الليبي مخالفًا للقرار المصدق عليه، كما يتخوف الـأخير من أن يتضمن إعلان المفوضية العليا للانتخابات مواد لم ترد بقانون الانتخابات كمحاولة لسد الفجوة، أو الامتثال لرغبة مجلس الدولة الأعلى برؤية قوانين الانتخابات، ويرى المجلس الرئاسي الليبي، عدم إمكانية الانتخابات دون توافق، ولا إشكالية بإجرائها بالتوقيت المحدد.

ثانيًا: دلالات موقف الأطراف من موعد الانتخابات

أصبح توجيه الاتهامات والتشكيك بالفاعلين الليبيين، وبين مسؤولي السلطات الرئيسية بإجراء الانتخابات، سمة التصريحات، وشكل التواصل الذي يجري بالداخل الليبي، ليدعم كل طرف وجهة نظره و التشكيك بالطرف الآخر، واستخدام الخلل الذي يجري لصالحه.

“بعض المواد صُنعت لصالح القادة” هكذا وجَّه عدد من الأحزاب الاتهامات لكلٍّ من المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، وكذلك رئيس البرلمان الليبي، ومحاولتهما الخروج من الموقف الراهن بأكبر مكاسب ممكنة، وتأمين بقائهما بمنصبهما.

من ناحية أخرى، توجه الاتهام للبرلمان بعد تأجيله موعد الانتخابات النيابية، بأنها مؤشر لرغبة مجلس النواب تعقيد الموقف والبقاء في السلطة التشريعية؛ لعلم المجلس أن الانتخابات الرئاسية هي محل الخلاف الرئيسي، وأن تعطيلات بها قد يؤدي إلى تعطيل إجراء الانتخابات النيابية.

ويتبادل الأطراف الاتهامات، فيرى البعض أن القوانين معدلة لصالح رئيس البرلمان عقيلة صالح؛ ليتمكن من البقاء بمنصبه حال عدم نجاحه بالانتخابات، فإن البرلمان ومجلس الدولة يعتبران الانتخابات التشريعية الجديدة تهديدًا لأمن كليهما، ويرى البعض الآخر، أنها تصبح لصالح المشير خليفة حفتر، الذي ضمن البقاء بمنصبه أيضًا.

وفي سياق منفصل نشب خلاف بين الحكومة والمجلس الرئاسي الليبي على نفسه، إذا أصدر المجلس الرئاسي الليبي قرارًا بإيقاف وزيرة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الوحدة الوطنية الليبية (نجلاء المنقوش) عن العمل، والتحقيق فيما نسب إليها من مخالفات إدارية، تتمثل بانفراده بملف السياسة الخارجية دون التنسيق مع المجلس الرئاسي، وفقًا لمخرجات ملتقى الحوار السياسي الليبي، المنعقد بتاريخ 9 نوفمبر 2020، لكن رفضت الحكومة الانتقالية قرار المجلس، قائلة إن المنقوش يجب أن توالي القيام بمهامها بشكل طبيعي.

التشكيك والاتهامات سادوا الموقف بالنسبة للأطراف الليبية المختلفة، بل وأصبح هناك انقسام واضح بين السلطة ذاتها؛ ما شكل تغيرًا للتحالفات بين القوى المختلفة بالداخل الليبي، وبدأت كل الأطراف تعمل على تدعيم حجتها بدحض موقف الطرف الآخر أكثر من كونها قادرة على التعاون مع الأطراف المختلفة.

ثالثَا: فرص وتحديات احتواء الخلاف

هناك عدد من الفرص المتاحة لاحتواء الخلاف، والوقوف على أرضية صلبة بشأن الانتخابات ومواعيدها، موضوعها، قد تتمثل أول هذه الفرص فيما يلي:

التفاعل الإيجابي مع مبادرة المجلس الرئاسي: تقدم  نائب رئيس المجلس الرئاسي “عبد الله اللافي” بمبادرة لإنهاء الانسداد السياسي بشأن قوانين الانتخابات التشريعية والرئاسية المقرر، وتقوم مبادرته على  تقديم مقترح لجمع مجلسي النواب والأعلى للدولة عن طريق لقاء بين رئاستي المجلسين للتوافق حول الخلافات المتعلقة بقوانين وتشريعات الانتخابات.

وبالرغم من تنفيذ ذلك ليس بالأمر السهل، ويكتنفها عدد من المعوقات أهمها غياب الثقة بين المجلسين ، إلا أنها تبدو أنها مجدية ويمكن التعويل عليها في إدارة الخلاف إذا جرت بطريقة موضوعية.

 التعويل على الوسطاء: لعب عدد من الوسطاءأدوارًا إيجابية في حل تعقيد الوضع الليبي، منها تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية التي حفزت الأطراف السياسية بالعودة للمسار السياسي والاقتصادي والأمني، وحددت خطوط التماس بالمنطقة الوسطى، وحملت مجلس النواب إصدار التشريعات من مجلس النواب، وكذلك بالضغط على مجلس الدولة لقبولها.

وكذلك الدور المصري الذي يرعى الاستقرار  الليبي، كما ساعد بتنفيذ وقف إطلاق النار، واستضافته لنقاشات نزع السلاح، واستمرار مساعيه في احتواء الصراع الليبي؛ لمحاولة الحفاظ على أمنها الحدودي، وبالتالي، فإن تدخل أي الوسيطين مقبول بمثل هذه الأوضاع، قد يساعد بتقريب وجهات النظر.

وقد يمثل الحوار الأمريكي المصري الاستراتيجي النواة التي وضعت لوساطة أمريكية مصرية مشتركة، فأبرز ما خرج  به اللقاء هو التأكيد  على دعم الطرفين للانتخابات الرئاسية المقبلة في ليبيا المقرر إجراؤها ديسمبر المقبل.

وفي سياق متصل كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أجرى اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تباحث خلاله الطرفان الاستعدادات الجارية لاستضافة باريس للمؤتمر الدولي حول ليبيا، خلال شهر نوفمبر الجاري.

وتلك التحركات تكشف عن خطوات من دول الجوار الليبي يمكن أن تكون بادرة أمل لتهدئة الأوضاع في  في الداخل الليبي، لذا  على الوسطاء أن يعملوا على دعم احتواء الخلافات الداخلية ، أكثر من التركيز على دعم الانتخابات التي ستجرى حتمًا.

تنحية أزمة وزيرة الخارجية الليبية: فمن المرجح أن يكون هناك ضغط دولي لإنهاء هذه الأزمة في أسرع وقت ممكن سريعا، والتركيز على العملية الانتخابية، خصوصًا في ظل الحاجة لتوحيد الصفوف قدر الإمكان وقرب  مؤتمر باريس في 12 نوفمبر الجاري والمتوقع أن يجري كذلك  ضغط  من الأطراف الدولية ، وتوصيات بغلق باب التحقيق في أزمتها لحين انتهاء الانتخابات.

 في الجهة المقابلة يبقى هناك عدد من التحديات أمام استمرار الوضع على ما هو عليه -أي  في حالة خلاف- معظمها مرتبطة بالجانب الأمني الذي قد يتعرض إليه الداخل الليبي في ظل استمرار حالة الخلاف ومنها التأثير على الانتخابات، ومن أبرز تلك التحديات ما يلي:

 تعطيل سحب قوات المرتزقة: لا شك أن تصاعد الخلاف بين الأطراف الليبية بالداخل، سيؤدي لتركيز الجهود على حل الخلافات بين أطراف الداخل الليبي؛ ما سيؤثر بالضرورة على مجهودات العمل على سحب الجنود المرتزقة من ليبيا، ويؤدي إلى تراجعها، وبالتبعية على الانتخابات.

تصاعد نشاط الميليشيات: استغلت الميليشيات المسلحة تصاعد الأزمة الانتخابية ورفعت نشاطها في بعض المناطق والمدن المهمة ، و تجدد الاشتباكات بين الميليشيات وبعضها، ما أدى لتشتت المجهودات الأمنية، وهو بدوره يخلق صعوبة تأمين الانتخابات، واستمرار هذا الخلاف حتى موعد الانتخابات ، سيشكل تهديدا كبيرا لأمن وسلامة العملية الانتخابية.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة

إن الوضع في ليبيا يشهد كثافة من التفاعلات  وتداخل في التطلعات والآمال بين أطرافه، تعذر عليهم إدارتها بشكل ينهي هذا الخلاف، كما لم تظهر أيضًا وساطات قدمت أجندة قادرة على احتواء هذا الخلاف والسير نحو عملية انتخابية متفق عليها، وهو ما يجعل الوضع منفتح على كافة السيناريوهات:

 فشل إجراء الانتخابات و بقاء حكومة الدبيبة بالسلطة: يبني هذا السيناريو علي أن الخلافات بين الأطراف ستستمر، وقد تنتج عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات وخصوصا الرئاسية، ويفسر هذا السيناريو أن لدى الدبيبة إدراك بأن الخلافات بين اطراف الانتخابات يصعب احتوائها وأن زيارات عبدالحميد الدبيبة لتركيا، وترتيب مواجهة الخطوة الفرنسية ووجود تركيا لحماية الدبيبة تأتي في اتجاه الاستعداد للتعامل مع فشل الانتخابات، وخصوصا أن هناك ضغط من إنجلترا وفرنسا وتشكيك كبير بحكومة الدبيبة، ومدى قدرتها على عمل انتخابات تحظى بقبول عام؛ ما يجعله يلجأ لخطوة استباقية بالتعاون التركي، وقد يلجأ للضغط على المفوضية بتغييرات معينة، وهذا السيناريو مظلم بالنسبة للداخل الليبي، وقد تجر بعده إلى فوضى كبيرة ، لكنه غير مستبعد.

إجراء الانتخابات وفقًا لما أقره مجلس النواب: وفي هذا السيناريو يمكن التمييز بين أمرين الأول بين القوانين الانتخابية التي سنها أن تجري الانتخابات وفقًا لما أعلنه مجلس النواب الليبي من قوانين وتجاهل ملاحظات مجلس الدولة، لكن مع هذا السيناريو، سيزيد احتمالية عدم اعتراف مجلس الدولة بالقوانين، بالطعن على شرعيتها وصحتها، وهو سيناريو مرجح،  خصوصا في ظل الدعوات الأخيرة التي  أطلقها رئيس مجلس الدولة الاستشاري في ليبيا، خالد المشري، للتوجيه نحو عدم المشاركة في الانتخابات، سواء ناخبين أو مُرشحين.

أما الأمر الثاني والمتعلق بالموعد، يستبعد أن يتم المثول لرغبة مجلس النواب الليبي، ومن المرجح أن يجرى كليهما في الموعد المقرر 24 ديسمبر، ولا شك أن الخلاف بشأن الموعد سيظل قائم لكن من المرجح أن تتجاوز سريعًا، خصوصا في ظل حالة الحشد الدولي الذي تجريه المفوضية العليا لدعم إجراء الانتخابات في الموعد المذكور.

 تغييرات جوهرية تجريها المفوضية: ويرجح هذا السيناريو أن تعلن المفوضية بشكل تتابعي بعض المواد المعدلة والتي لم يقرها مجلس النواب ،وكانت محل خلاف بالنسبة لمجلس الدولة الأعلى، ويعول هذا السيناريو على أن المفوضية هي الطرف الذي يدخل على خطة العملية الانتخابية بعد الغرفتين التشريعين، لكن هذا سيناريو مستبعد، وذلك لان المفوضية ليست لديها الصلاحيات الدستورية بإجراء مثل هذه التعديلات، وهو ما يعتبره المجلس رفضًا للانتخابات، وقد يعمل لحشد الشارع لرفض هذا الإجراء.

بالأخير يمكن ترجيح إجراء الانتخابات ستجرى وفقا لما أقره مجلس النواب الليبي من قوانين ، وفي الموعد المقترح سابقًا هو 24 ديسمبر، مع إجراء كلا الاستحقاقين، ويتوقع أن تستمر تلك الخلافات ، بل وأن تلقي بظلالها على قبول نتائج الانتخابات ، وهو ما يجعل الانتخابات المقبلة ليست الفيصل في حال الخلاف القائمة، ومع ذلك يمكن القول أن الوقت ما زال يسمح للفرقاء الليبيين بإجراء حوارات بينهم ، يتم من خلالها حسم النقاط محل الخلاف – إذا أرادوا-، واحتواء خلاف سيعمل تجاهله على تفاقم الوضع داخليًا، كما قد يكون دور الوسطاء في هذا التوقيت مجدى ، إذا أخذ في الاعتبار التفهم لحساسية الموقف، وإلى أي حد كونه حرج، بوضع تقريب وجهات النظر أولوية أولى.

 

كلمات مفتاحية

error: عذراً غير مسموح بنسخ محتويات الموقع