المقالات
مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية > تقارير وملفات > وحدة الشرق الأوسط > تقدير موقف > بين التصعيد والنَّفْي: هل يقترب لبنان من حربٍ جديدةٍ مع إسرائيل؟
بين التصعيد والنَّفْي: هل يقترب لبنان من حربٍ جديدةٍ مع إسرائيل؟
- مارس 28, 2025
- Posted by: Maram Akram
- Category: تقارير وملفات تقدير موقف وحدة الشرق الأوسط
لا توجد تعليقات

إعداد: ريهام محمد
باحث في وحدة شؤون الشرق الأوسط
على الرَّغْم من الضغوط الذي تعرَّض لها نتيجة حربه الأخيرة مع إسرائيل، عاد حزب الله مرة أخرى للظهور بعد تصاعد حاد في الأوضاع العسكرية اللبنانية؛ إذ انطلقت صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل؛ ما استدعى ردّ فِعْلٍ عنيفٍ من الجانب الإسرائيلي، هدَّد بإعادة إشعال النزاع، وأثقل الأجواء بظلالٍ قاتمةٍ على اتفاق وقْف إطلاق النار، الذي تمَّ التوصل إليه، خلال فترة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ورغم محاولة حزب الله العاجلة، نفْي مسؤوليته عن هذه الهجمات، فإن التصعيد الحالي يُعيد لبنان إلى قلب معادلة إقليمية مُعقَّدة، ويضع حكومة جوزيف عون أمام تحدٍّ صعْبٍ بين الحفاظ على الهدوء وتجنُّب الانجرار لمواجهات غير محسوبة، وبين التعامُل مع الضغوط المتزايدة داخليًّا وخارجيًّا، فهل سيكون هذا التصعيد بمثابة الشرارة التي تعيد إشعال الحرب أم أنه مجرد حلقة جديدة في صراعٍ لم ينطفئ لهيبه تمامًا؟
دلالة التوقيت وتحليل السياق:
في صباح السبت 22 مارس الجاري، شهدَ الجنوبُ اللبنانيُّ أحداثًا أمنيةً مهمة، إثْر إطلاق ثلاثة صواريخ نحو إسرائيل، وردَّ الجيش الإسرائيلي بغاراتٍ – اعتبرت شديدة – على قرى لبنانية، وأعلن الجيش الإسرائيلي في وقتٍ سابقٍ عن تصدِّيه لثلاثة صواريخ انطلقت من منطقةٍ تبْعُدُ حوالي ستة كيلومترات شمال الحدود، وتأتي هذه الحادثة كإطلاقٍ ثانٍ عبْر الحدود منذ توقُّف القتال، في نوفمبر الماضي، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسَّطت فيه الولايات المتحدة، ويعتبر هذا الحدث اختبارًا أمنيًّا بالغ الخطورة منذ ذلك الاتفاق؛ حيث تُطلق للمرة الأولى منذ انتهاء القتال صواريخ “غير معروفة” نحو بلدة إسرائيلية.[1]
ما يجعل هذا التصعيد العسكري ذات دلالةٍ إستراتيجية خاصَّة، هو توقيتها، الذي جاء متزامنًا مع استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة؛ ما أسفر عن سقوط عددٍ كبيرٍ من الضحايا بينهم أطفال، وتزايُد التصعيد عقب اتهام إسرائيل لحركة حماس برفضها الإفراج عن الرهائن، ورفْض المقترحات التي قدمها الوسطاء الدوليون.[2]
في الوقت ذاته، جاء هذا التصعيد عقب استهداف حاملة الطائرات الأمريكية “ترومان” والسفن الحربية التابعة لها في شمال البحر الأحمر لعدة مواقع تابعة لجماعة الحوثي، من خلال بـ18 صاروخًا باليستيًّا ومُجنَّحًا، بالإضافة إلى طائرةٍ مسيرةٍ، وذلك بتاريخ 16 مارس الحالي، تلاها قيام جماعة الحوثي بتنفيذ عملية عسكرية، تستهدف أيضًا حاملة الطائرات الأمريكية وقطعها البحرية، كردٍّ على الهجمات الأمريكية التي استهدفت اليمن، ومن بعدها إعلان الجيش الإسرائيلي، صباح الأحد 23 مارس، اعتراضه صاروخًا أُطلق من اليمن، بعد انطلاق صافرات الإنذار في عدة مناطق في إسرائيل.[3]
وتأتي هذه المستجدَّات وسط تفاقُم الخلافات بين إيران والولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي وعودة سياسة “الضغط الأقصى” التي يُروِّجُ لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، ومن اللافت، أن تنسيق توقيت هذه الأحداث يشير إلى تصعيدٍ مدبرٍ من قِبَلِ وكلاء إيران بالمنطقة؛ بهدف زيادة الضغط على إسرائيل وحلفائها، وقد تكون بمثابة رسالةٍ تحذيريةٍ للولايات المتحدة بخصوص سياساتها تجاه إيران، فيما قد يعكس هذا التزامن إستراتيجية إيرانية لتعزيز نفوذها الإقليمي والتصدِّي للضغوط الدولية المتزايدة، عبْر تقديم الدعم لحلفائها؛ لتنفيذ عمليات تستهدف مصالح خصومها، والتأكيد على أن المقاومة مستمرة مع دعْم إيران لهذه الجماعات،كما يُظهر أيضًا قدرة تلك الجماعات على التنسيق وتنفيذ عمليات متزامنة في مناطق مختلفة؛ ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
الدوافع الكامنة وراء التصعيد:
رغم تراجُع قدرات حزب الله العسكرية ونفْي مسؤوليته عن الضربات الأخير التي استهدفت اسرائيل، إلا أنه قد يكون مدفوعًا بدوافع إستراتيجية تجعله مستفيدًا من التصعيد الأخير، أو على الأقل غير متضرَّرٍ منه؛ ويمكن تلخيص تلك الدوافع كالآتي:
-
إثبات وجود: يسعى حزب الله إلى الحفاظ على توازن الرَّدْع مع إسرائيل ومنْعها من فرْض قواعد جديدة للاشتباك بعد الضربات المتكررة في سوريا ولبنان، ورغم ما يعانيه من ضعفٍ نسبيٍّ، فإنه يودُّ أن يظهر أنه لا يزال بإمكانه إلحاق الضرر بإسرائيل؛ ما يمنعها من التفكير في شن هجوم شامل ضده.
-
إشعال أكثر من جبهة: يأتي هذا التحرُّك في إطار إستراتيجية وحدة السَّاحات التي تقوم بها ايران؛ حيث تنخرط جماعة الحوثي في الوقت الراهن في مواجهة مع اسرائيل وأمريكا، وعليه؛ قد يأتي تحرُّك حزب الله من أجل تشتيت انتباه إسرائيل وجرها إلى جبهة أخرى؛ كمحاولةٍ لخلق ضغوطٍ إضافيةٍ على “تل أبيب”؛ فبجانب الأزمة الداخلية التي تشهدها، مع استئناف حربها على غزة، وتبادل الضربات العسكرية مع جماعة الحوثي، يهدف تصعيد حزب الله لاستنزاف إسرائيل.
-
امتصاص الضغوط الداخلية: يواجه حزب الله تحديات داخلية متزايدة في لبنان؛ أبرزها الضغوط السياسية الموجَّهة إليه من أطراف لبنانية تعارض انخراطه في الصراعات الإقليمية وجرّ لبنان في الحرب الاسرائيلية، وعليه؛ قد يُعدُّ هذا التصعيد العسكري وسيلةً ممكنةً لحزب الله لامتصاص الغضب الداخلي والضغط على حكومة جوزيف عون، خاصَّةً بعد رفْض الحزب للمطالب الدولية بتسليم أسلحته.
-
رسائل إيرانية للولايات المتحدة: يُحتمل أن يكون هذا التصعيد جزءًا من إستراتيجية إيرانية أكبر، خاصَّةً مع تصاعُد التوترات بين طهران وواشنطن، وتفعيل سياسة “الضغط الأقصى” تجاه إيران؛ ورفْض إيران عرْض ترامب لإعادة التفاوض على الاتفاق النووي، ومن ثمَّ؛ فقد تسعى إيران لاستغلال حزب الله كوسيلة لإرسال رسائل قوية تشدّد على أنه أيّ تصعيد ضد طهران سيواجه بردِّ فِعْلٍ قويٍّ على الجبهات الإقليمية.